أبو القاسم سعد الله: سقّاء حبر وحطّاب ورق
لو كان الأنبياء ينتخبون لانتخبت لذلك أبا القاسم سعد الله… لكن.أواجه ما كتبه أبو القاسم سعد الله خلال نصف قرن من الزمن أو يزيد فأقول: يا الله كم كان يلزمه من الصبر، صبر العلماء، حتى يكتب كل هذا، ويحقق كل هذا، ويدقق كل هذا، من كتابة عن الحركة الوطنية إلى حفر في تاريخ الثقافة الجزائرية إلى تذوق مِلْح الشعر إلى تحقيق مخطوطات في الفكر والدين والرواية.
-
أجلس قبالة هذه الخزانة العامرة من كتب أبي القاسم سعد الله، وسامه ونياشينه، وأقول: أيها العالم من عمرك أفنيت السنوات كثيرا وأطفأت من شموع ضوء عينيك قناديل كثيرات، كل ذلك صببته حبرا على الأوراق كي تعيد للبلاد ذاكرة خفت أن تضيع بين ملح البحر وملح الرمل.
لا أحد مثلك فعل، لا أحد مثلك كدّ وجد لترميم ذاكرة ثقافة بلاد كانت معرضة للخراب والتخريب، من خلال مشروع العمر، كتابك الموسوعي “تاريخ الجزائر الثقافي” (في عشرة أجزاء) هذا العمل وحده يكفيك للخلود.
لو كان الأنبياء ينتخبون لانتخبت لذلك أبا القاسم سعد الله… لكن.
وبقدرما كنت تحاصر ذاكرة البلاد حتى لا تتساقط همرا وهدرا من عيون غربال التاريخ، بقدر ذلك الحرص المشوب بالخوف على ذاكرة بلادك الثقافية فقد نسيتك البلاد التي صنعت لها ذاكرة ثقافية. صنعت لها عذرية.
تابعتُ، كما تابع كثير من المواطنين، أشواط “ماتش” المشاورات السياسة الأخيرة في بلادي. كانت عيني على ما يمكن أن يسجل أو يحقق من اختراقات في الشأن الثقافي، لكن يبدو أننا دخلنا بفريق غير مدرب تدريبا يمكنه أن يسجل أهدافا. إنهم هم من اختاروا اللاعبين الذين يلعبون ضدهم، تخيلوا معي فريقا يَخْتارُ عناصر فريق آخر، الفريق الخصم، كي يلعب معه على التصفيات النهائية، كيف يكون الاختيار؟؟ هكذا بدت لي مشاورات البلاد في شأنها الثقافي وهي تُغيِّب صانع وملحم ذاكرة الثقافة الجزائرية: أبو القاسم سعد الله.
لو كان الأنبياء ينتخبون لانتخبت لهذا الزمن أبا القاسم سعد الله.. لكن.
أقول من لم يقرأ مشروع أبي القاسم سعد الله المسمى ” تاريخ الجزائر الثقافي” لا يمكنه أن يتحدث عن ثقافة الجزائر بكل أبعادها وتناقضاتها، بكل سنواتها العجاف والسمان عبر العصور الخوالي، لا يمكنه أن يصوغ مستقبلا لثقافة الحداثة في الجزائر.
كيف يمكن للجنة تتشاور وتشاور في شأن الثقافة والثقافي وتنسى عالما من طينة أبي القاسم سعد الله؟
كثيرة هي البلدان التي عبرت أزمات وعاشت المآسي ولكن طبقتها السياسية وبمجرد عبورها تلك الفترات التاريخية الساخنة والصعبة، ولأنها تعرف بأن المثقف من حيث هو حامل الوعي والنبوءة والنقد والعقل كان المستهدف الأول في هذه المحنة، فإنها تعظمه وتقدره، ألم يكن موقف ديغول، وفرنسا تخرج من نار النازية مفككة منهكة، تجاه الكاتب أندري مالرو رسالة تاريخية عميقة في رمزيتها، إذ حين عرض عليه وزارة سيادية رفض الكاتب ذلك واكتفى بوزارة سميت وزارة الثقافة والتي لم يكن لها وجود قبل هذا التاريخ. كان مالرو يعرف “ورشة” الثقافة والفكر في بلد يرمم نفسه من جديد.
جيراننا على حدود الجهة الغربية ومنذ سنوات لم يتوقفوا عن جمع شمل مثقفيهم الرموز لصياغة وجه جديد لبلادهم في الخارج، جاؤوا قبل سنوات بأكبر المعارضين من أكبر المثقفين وأعادوهم إلى المركز كي ينحتوا صورة جديدة لبلاد يريدونها أن تكون حداثية : أعادوا المؤرخ عبد الله العروي وعبد الكبير الخطيبي وقبلهما عزيز لحبابي وأعادوا الكتاب المبدعين وهم على ما هم عليه من نزق ونرجسيات، أعادوا الطاهر بن جلون وعبد اللطيف اللعبي ومحمد خير الدين وإدريس الشرايبي وفاطمة المرنيسي وثريا جبران ومحمد الأشعري وغيرهم.
ووزعوا مثقفيهم الرموز سفراء لبلادهم، سفراء الرأي و”الذين يحمروا الوجه” بعثوا بالروائي عبد القادر الشاوي الذي قضى في السجن الملكي سنوات، بعثوا به سفيرا لهم في الشيلي بلاد بابلو نيرودا، وبعثوا بالفيلسوف المتميز علي أومليل صاحب “إلى بيروت بلاد جبران خليل جبران وخليل حاوي” وبعثوا….
ونحن بعثنا بالمرحوم الفيلسوف عبد الله عبد الله شريط والمسرحي الشاعر نورالدين عبة والمؤرخ محمد قنانش ومحفوظ قداش للموت البطيء وها نحن نسلم جيلا آخر لغول النسيان والتهميش: أبو القاسم سعد الله ومراد بوربون ومحمد حربي وأبو القاسم خمار وحفناوي زاغز ونبيل فارس وبوعلام صنصال وعبد الملك مرتاض وعبد الرحمن حاج صالح وآسيا جبار وعائشة لمسين وأحلام مستغانمي….
هذا زمن جمع الشمل فلا تقتلوا أبناء الجزائر وبناتها من المثقفين بالصمت المريب الغاشم وفلسفة ”دَزْ مْعاهُمْ”.
لقد تغير العالم بـ 180 درجة والبلاد بحاجة إلى الجميع مختلفين في الرأي وموحدين في حب الوطن. كفى من ثقافة الإقصاء والتناسي والنسيان وثقافة الكراهية التي يزرعها مجموعة من المهيمنين على مراكز السلطة والذين حولوها إلى ما يشبه الدكاكين الصغيرة أو المزرعات الخاصة.
هكذا بدت لي صورة أبي القاسم سعد الله ونحن في ليلة الذكرى 49 لاستقلال الجزائر، صورة SDF بدون إقامة ثابتة، SDF من نوع آخر في بلد يبحث عن الثبات والاستقرار والجمع، لكن، ورغم جحد الجاحدين، فإن إقامة أبي القاسم سعد الله الثابتة والتي لا تتزحزح موجودة في قلوب قرائه وطلبته الموزعين في الجزائر والعالم العربي والإسلامي.
لا مشروع لنهضة سياسية دون مشروع ثقافي، ولا مستقبل لبلاد في غياب الاستماع إلى علمائها على اختلاف رؤاهم من أمثال أبي القاسم سعد الله.
لو كان الأنبياء ينتخبون لانتخبت لذلك أبي القاسم سعد الله… لكن !! لكنه زمنٌ النبيُّ الوحيدُ فيه وصاحبُ المعجزة الكبرى هو المدرب الجديد للمنتخب “الوطني” وحيد حاليلوزيتش !!! فسامحنا يا شيخ المثقفين الجزائريين يا أبا القاسم سعد الله.