أربع تكبيرات على الإنسانية!
في كل مرَّة تهتزُّ الهياكل الاستشفائية ببلادنا على وقع قصص مأساوية لمرضى هلكوا بسبب الإهمال والتسيّب وانعدام الضمير المهني، وفي كل مرّة نضرب أبشع الأمثلة في الاستهتار بأرواح الآخرين، الذين لم يكونوا سوى مواطنين بسطاء أنهكتهم حياة الفاقة والغبن، ونخرت الأمراض أجسادهم، فاستنجدوا بمستشفيات الدولة، التي سرقت منهم الحياة بطريقة مُخزية.
ولكن لماذا أصبحت “مجانية العلاج” في القطاع العمومي مرادفة للمعاناة والموت؟ لماذا تجرّد كثيرٌ ممّن يرتدون المآزر البيضاء من الإنسانية؟.
ما حدث لتلك السيدة الحامل البالغة من العمر 23 سنة، التي توفيت رفقة جنينها، قبل أيام، إثر تجاهل حالتها الصحية الخطيرة وتقاذفها من قبل ثلاثة مستشفيات في الجلفة، يظهر حجم الانحطاط والإفلاس الذي وصلت إليه المنظومة الصحية في بلادنا، التي ابتليت بعديد الأمراض، وأصبحت بحاجة إلى عملية جراحية دقيقة تستأصل أورام التسيّب والإهمال والاستهتار بأرواح الناس. ماذا لو كانت تلك السيّدة ابنة أو شقيقة أو زوجة أحد عليّة القوم في الجلفة؟ هل كانت ستلقى تلك المعاملة المخزية من الطواقم الطبية؟ هل كانت ستتحوّل إلى كرة تتقاذفها ثلاثة مستشفيات وهي في حالة حرجة؟ لا، طبعا، كانت ستُعامَل معاملة راقية وتنقلها سيارة الإسعاف من بيتها معزّزة مكرّمة.
مأساة الجلفة، كادت أن تتكرّر مع سيّدةٍ بغرب البلاد طرقت أبواب مستشفيات عديدة ليلا، ورفضت استقبالها، ليبلِّغوها في نهاية المطاف أن الجنين الذي في بطنها ميّت، وكم كانت صدمتها وعائلتها كبيرة جدا، وما كان عليها إلا التوجُّه إلى عيادة خاصة، حيث وضعت مولودها بكل أريحية ودفعت ثمن ذلك نقدا، وتبيَّن في ما بعد بأنّ الجنين لم يكن ميتا ولا هم يحزنون، فقط الطواقم الطبية رفضوا التعاطي مع حالة هذه السيدة لأسبابٍ لا يعلمها سواهم.
والأدهى في مثل هذه القصص التي لا تشرِّف المنتسبين إلى قطاع الصحة، أنها تنتهي دائما بفتح تحقيقات تفضي إلى عزل هذا وتحويل هذا، وسط تقاذف للمسؤوليات بين الطواقم الطبية، في حين تُحفر أخاديدٌ من الحزن والأسى على أفئدة من فقدوا ذويهم جرَّاء الإهمال.
مثل هذه الممارسات التي لا تمتُّ بصلة إلى مهنة الطب النبيلة، تتمظهر في سلوكيات مقرفة صنَّاعها من أوكلت لهم مهمَّة علاج المرضى؛ فكيف يعقل أن مسنّا يتأوه من شدّه الألم وأمامه ممرض لا يمد له يد العون، ويبقى منهمكا بلعبة “الدودة” في هاتفه المحمول؟! هل التسلية تكون على حساب حياة المرضى؟!.
للأسف مثل هذه المشاهد المخزية تجعلنا نكبّر أربع تكبيرات على الإنسانية ونشيّعها إلى مثواها الأخير، بعدما غابت الكلمة الطيبة والمعاملة الحسنة التي هي أساس مهنة الطب.
إذن لسنا بحاجة إلى هياكل استشفائية بلا روح، لسنا بحاجة إلى تجهيزات طبية عالية الجودة تُستورد بالملايير، ثم يأكلها الصدأ ويعشش فوقها العنكبوت، وعندما يأتي مريضٌ قطع آلاف الكيلومترات يوهمونه بأنّها “معطّلة” ويوجِّهونه إلى “سماسرة” الطب. نحن بحاجة إلى معاملةٍ إنسانية يتخذها الطبيب والممرض منهاجا في علاج المرضى، لأنّ الكلمة الطيبة والابتسامة في وجوههم، بلسم لكثير من الأسقام لو كانوا بالإنسانية يؤمنون!