أريد أن أعود إلى حكومة التاريخ…
حاضر الوطن أرَّقني وأوقفني بتناقضاته الكثيرة والفاضحة وبأخطائه التي لم تعد تَخفى على أحد، ومستقبل الوطن بدا لي وكأنه لا أحد يريد أن يهتم به، إن كان متوسطا أو بعيدا، مباشرا أو غير مباشر. فالكل منغمس إما في اللحظة الآنية يسعى لأخذ أقصى ما أمكَنه من الريع الوطني، أو متحرك بلا هوادة وعلى عجل لأجل مستقبله الشخصي، لا يهمه هذا الوطن أو هذا الشعب. لذلك رأيت أنه لا مجال لي في هذه المساحة سوى العودة إلى التاريخ، إلى تاريخ الرجال والنساء الذين صنعوا من 20 أوت الذي نعيش ذكراه هذه الأيام منعرجا في مسارنا الوطني، وضحوا بأرواحهم الطاهرة من أجل أن تستعيد الجزائر حريتها ويستعيد الجزائريون عزتهم في وطنهم…
رأيت أنني إذا غلبني الحاضر وأعجزني المنغمسون في ملذات ريعه عن التفكير في المستقبل أو محاولة تصديق نفسي بأننا يمكن أن نصنعه بالكيفية التي نريد ذات يوم، وفاء وتضحية مِنَّا لشهدائنا، عليّ أن أعود إلى التاريخ في هذه الأيام التاريخية وأتذكر أنه كان بهذه البلاد رجال أفذاذ فجروا ثورة كبيرة ضد مستعمر غاشم، وأنه كانت بها ذات يوم أيضا حكومة تاريخية، رئيسها اسمه فرحات عباس، وآخر اسمه بن يوسف بن خدة، وكان بهذه الحكومة وزير للخارجية اسمه لمين دباغين وآخر اسمه كريم بلقاسم وثالث اسمه سعد دحلب ووزير للإعلام اسمه محمد يزيد، ووزير للشؤون الثقافية اسمه أحمد توفيق المدني، وآخر اسمه عبد الحميد مهري، ووزير للمالية اسمه أحمد فرانسيس، دون أن أتكلم عن الوزراء الآخرين من أمثال عبد الحفيظ بوصوف والأمين خان وعمر أوصديق، ومحمدي السعيد، ولخضر بن طبال، ومصطفى إسطمبولي…
عندما أتذكر هذه الأسماء وغيرها، يعود إلي الأمل فجأة بأن بلدا عرف كل هذه الأسماء وقدَّم أبناؤه كل تلك التضحيات، كيف يعجز أمام المستقبل أو يفشل في مواجهة تحدياته مهما كانت صعبة وتبدو مستحيلة، وأول هذه التحديات أن يستعيد كل تلك المقومات التي تجعل من دولته دولة صاعدة بين أمثالها من الدول، ومِن حكومته حكومة قوية بين الأكثر كفاءة في العالم، وأن يفسح المجال لأخلص وأقدر أبنائه في الداخل والخارج ليعيدوا إلى بلدهم أمجاده ويجعلوا حاضره ومستقبله في مستوى ماضيه، ويتجاوزوا بكل شجاعة اللحظة الآنية التي لا تحمل معها إلى إشارات اليأس، نحو الغد الفسيح الذي ينبغي أن تكون حكومته ليست فقط في مستوى حكوماتنا التاريخية إنما أفضل مَن يُعبِّر عن كونها خير خلف لها وخير معبِّر عن الوفاء لشهدائها الأبرار…