-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أزمات الوفرة في الإنتاج مع سوء التوزيع

عمار يزلي
  • 82
  • 0
أزمات الوفرة في الإنتاج مع سوء التوزيع

عندما سألتْ إحدى الطالبات المفكر البريطاني “برنارد شو”، ذات مرة عن معنى “الاشتراكية”، وكان فيما يبدو ميَّالا إلى هذه النزعة، لم يجبها على الفور، وإنما طلب منها أن تراجعه بعد شهر. بعد شهر، كتب لها كراسة يشرح لها فيها أساس العدالة الاجتماعية التي هي اللبنة الأولى للاشتراكية. أعجِبت الطالبة بمضمون الكراسة بعدما قرأتها، فعادت إليه من جديد بسؤال، عن معنى “الرأسمالية”، بدا لها أن قيمة الإجابة عنه لا تقلُّ عن شرح في كراسة أكبر، فردَّ عليها “شو” بطريقته الساخرة المبكية، وكان كثيف شعر اللحية وأصلع من الأمام وكثيف الشعر من الخلف، أجابها وهو يمرِّر يده على شعرة من الخلف والأمام وعلى لحيته: “الرأسمالية، هي… هكذا… وفرة في الإنتاج، وسوء التوزيع”.

هذا هو قانون التغير في المجتمعات الحالية عبر العالم الرأسمالي. كل النظم السياسية والاقتصادية تحمل في جيناتها بذور نهايتها بعد تضعضعها، تماما كما يحصل للحليب المعقَّم حين يضاف إلى بقايا حليب فاسد، لو كان قليلا، فبالمحصلة سيفسد الحليب الجديد.

إذا كانت المجتمعات الرأسمالية قد وعدت مواطنيها، عند الميلاد وفي منتصف عمرها، بحياة رغيدة، وعيش كريم، وبحلم سعة الرزق، وحلم الحريات الفردية والجماعية، وضمانات المواطنة، فإن بذور التآكل لم تكن لتختفي من مجتمعات متوارثة لجينات الماضي المبني على أسس الصراع والظلم والقهر وحب السيطرة وتمجيد القوة، التي ورثث من رحم المجتمع البدائي الأول وما بعده، بعد نشوء الملكية الخاصة، على حد تعبير “إنجلز”، أحد أقطاب الفكر الماركسي المعادي للرأسمالية، الذي عانى هو الآخر، نظريا وعمليا تجارب من “الفيروس” نفسه: حب الهيمنة ونسيان حلم العدالة مع طلب الحريات وتحول الثروة من يد إلى يد، واستبدال “الثورة” بالتمسك بالثروة، بيد من حديد وبطش شديد.

على خلاف النموذجين الأوروبيين الغربيين، الشرقي والغربي، خاضت دولٌ عبر أصقاع العالم تجارب مختلفة من أجل توزيع الثروة أو الاستحواذ عليها. المعادلة، في دول العالم الثالث مثلا اتسمت بعكس المعادلة الرأسمالية، ولكن كليهما يصبَّان في البِركة ذاتها: فإذا كانت المعادلة الرأسمالية لرسم الخريطة الاقتصادية للمنظومة هي “وفرة الإنتاج، مع سوء التوزيع”، على غرار نموذج “برنارد شو”، مع أن الرأسمالية لا تقول ذلك عن نفسها، بل تدَّعي أنها الأنموذج الأفضل، “البراديغم” المثالي، تماما كما تقول الشيوعية عن الأنموذج المادي الاشتراكي، الذي “سيحوِّل عيش المواطنين إلى جنة على الأرض”، بعد الوصول إلى ذروة الغاية، انطلاقا من قاعدة: “لكلٍّ حسب عمله”، إلى الوعد غير الصادق بالوصول إلى الغاية المثالية: “لكلٍّ حسب حاجته”. وعود الوفرة، وحسن التوزيع بين الناس، كانت وعود كل منظري الأنظمة الاقتصادية المادية، غير أن التجارب أثبتت أن الحلم قد يتحول إلى كوابيس، وأن الحلم والواقع المتحول، شيء آخر تماما، تتحكم فيه عدة متغيرات ومحددات إنسانية وطبيعية، هي نفسها تتغير وتتطور بحسب قوانين ونواميس الكون. الكل يتغير بمن فيه البيئة والإنسان والفضاء وعالم الأفكار والأنفس بفعل التراكمات وبفعل تأثير الزمن والمكان، في النهاية، لا أحد يمكنه أن يعرف “غيب” المستقبل، إلا من خلال استشعار “عيب” البشر، الفاعلين والمؤثرين الفعليين والحقيقيين في عملية التغيير والتغير.

نموذج العالم المتخلف، قياسا على “المتقدم” اقتصاديا، ينبني، خلافا للنموذجين السابقين، على قاعدة أخرى: “قلة في الإنتاج، مع سوء التوزيع”، لهذا نرى دول العالم الثالث، بتخلفها هذا، تفاقم أزماتها الاقتصادية والاجتماعية بفعل هذه المعادلة المدمِّرة التي بنى عليها ابنُ خلدون مقولته: العدل أساس الملك… العدالة الاجتماعية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!