-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أزمة الاستكبار العالمي في صوره الحديثة

أزمة الاستكبار العالمي في صوره الحديثة

الترامبية هي الوجه السافر للولايات المتحدة بملامحه الأنانية والسلطوية والهيمنة على العالم من دون مساحيق ولا قفاز ناعم.

الأوروبيون تقليديون في الدبلوماسية، ولم يستوعبوا بعد أن العالم الذي عهدناه قد تغير. يصعب ترتيب البيت الغربي بعد كل هذه الرحلة المليئة بالعدوان والاستغلال، الصين وريث “مقبول” لأغلب دول العالم، والأفول الأوروبي قد بدأ. بقيت المنازلة الصعبة بين الشرق المتحالف وبين الولايات المتحدة، والتي ستأخذ من حياة العالم حقبة من الزمن لا بأس بها.

قل لي بربك أي حرب دخلتها الولايات المتحدة وخرجت منها منتصرة؟ أغلب الحروب عمَّقت أزمتها الاقتصادية وأسقطت هيبتها. الصين من مصلحتها أن تشتعل حربٌ جديدة على تخوم فنزويلا لتكون ثقبا أسود في خاصرة الأمريكيين. الروس منافقون، ومن المحتمل أن يكونوا قد تبادلوا الهدايا مع الأمريكان، هذا في أوكرانيا وذاك في الكاريبي. أما الخليج فلا يُسمع ولا يطاع، حكامه يلعبون دور التابع، ودور الغني الضعيف، الذي يمول مغامرات الآخرين.
هناك من يقدِّم دعاية مجانية للهيمنة الأمريكية، نربأ بالأحرار في المنطقة أن يمضوا فيها، فليس أمامنا خياران لا ثالث لهما: النار أو الرمضاء، للشعوب المسلمة ثقافة خاصة من وحي الله يمكن أن يدخل في جلبابها الغربُ والشرق على حد سواء.

آفات الخوف والفقر تنخر الاتحاد الأوروبي كله، وروسيا ليست بمنأى عن ذلك وإن تظاهرت بالقوة. وكلها إرهاصاتٌ لنهاية حقبة سيطرت فيها هذه الدول على العالم الحديث واستضعفته. وليس هنالك من مخرج من هذه النهاية المأساوية إلا بالإيمان، من منظوره الإسلامي، لتتحول هذه الدول إلى قاطرة، تقود العالم الإسلامي -الذي يمتلك مقومات غير مفعَّلة للنهضة- نحو دورة حضارية جديدة. ولقد حدثت مثل الانقلابات الحسنة في آسيا الوسطى في إبان القرون الوسطى.

أوكرانيا تقع في منطقة تماس ملتهبة للغاية بين الشرق والغرب، ومن مصلحة هذا البلد -وقدره هكذا- أن يتبنَّى سياسة حياد إيجابي بينهما، مع حقه في الاحتفاظ بشوكة رادعة، مع لحاظ ألا تكون الشوكة عسكرية بالضرورة. ورغم إباء القيادة الأوكرانية وثباتها على مواقفها المبدئية، إلا أنها وقعت في خطيئة الوثوق التام بالغرب، بعدما تبدَّى للعالم أن عهدها مع الحليف الأقوى الأمريكان بدأ في الانفراط، وأن سرديتها الواثقة بالحلفاء الأوروبيين لم تعد تُقنع شعبها، لأن الأوربيين لا يريدون أن يمتد شرر الحرب إليهم ولا بأس إن اكتوى به “درعُهم” الشرقي. والواجب، والحال هكذا، أن يعي الأوكرانيون مواضع الأقدام الصحيحة، ويفاوضوا على ما أخِذ منهم لقاء سلام هشّ، فروسيا ليست بلدا عصيًّا على الهزيمة كما تروّج دعايته، فحربها مع الأفغان تسبّبت في تفكيك الاتحاد السوفياتي.
إذن على أي أساس تُبنى الدول منذ البداية؟ على أساس السلم أم على أساس الحرب؟ لعل بعض الدول أن تستفيد من بعضها الآخر وتتنافس على الدمار والخراب. إن من عزز مفهوم الريادة والقوة، واستخدم ما لديه من تفوق ليسيطر على الآخر الأضعف منه هي الدول التي تتحسس نار الحرب تقترب من أبوابها الآن؛ وعليه فالمخرج من هذه الورطة ليس مزيدا من الحروب والنيران، بل التعقل والعودة إلى أسس الحياة البشرية السليمة، في التعارف والتعاون والاحترام المتبادل، والكف عن الاستعباد والاستغلال.
آفات الخوف والفقر تنخر الاتحاد الأوروبي كله، وروسيا ليست بمنأى عن ذلك وإن تظاهرت بالقوة. وكلها إرهاصاتٌ لنهاية حقبة سيطرت فيها هذه الدول على العالم الحديث واستضعفته. وليس هنالك من مخرج من هذه النهاية المأساوية إلا بالإيمان، من منظوره الإسلامي، لتتحول هذه الدول إلى قاطرة، تقود العالم الإسلامي -الذي يمتلك مقومات غير مفعَّلة للنهضة- نحو دورة حضارية جديدة. ولقد حدثت مثل الانقلابات الحسنة في آسيا الوسطى في إبان القرون الوسطى.
واضحٌ بأن هنالك من يدفع نحو سلطة الدولة في لبنان ليكون بيدها قرارُ الحرب والسلم، ولكن “السلام” على الطريقة الأردنية والمصرية ما يريده في قرارة نفسه لا شيء سواه. وهنالك فئة من اللبنانيين مؤدلجة جدًّا تريد بقاء شوكة بيدها من دون تفريق كبير بين خصمين: الصهاينة والمحيط الذي تعيش فيه؛ وكلا الاتجاهين غير منتج في واجب التحرير والنصرة. لذلك يحسن بالجميع العودة إلى الأصول، لتحديد من هو العدو؟ وكيف ينال منه؟ في رؤية لا تستبعد سلطة الدولة المناهِضة للاحتلال، ولا تتجرَّد من المقاومة الشعبية بكل أطيافها اللبنانية وغير اللبنانية، من دون استقواء بعضهم بالأجنبي على بعض، لأن ذلك يخدم العدو، بل المطلوب الاستقواء ببعض لدحر هذا العدو.

محللون يتبنّون السردية الأمريكية ويتظاهرون بالحيادية لا يمكنهم أن يقاربوا بشكل موضوعي ظاهرة الجماعات المسلحة. ومن هنا نفهم التناقض في الفهم الأمريكي للظواهر عندما يدعم الكيان الصهيوني بقوة وهو الساعي بعقيدة توراتية في بلاد غير بلاده. حجة قتل التنظيم للأبرياء لا تبيح التدخل لاستباحة بلاد مسلمةكنيجيريا هكذا، كما أن ضربات على أمتار مربعة ضمن ملايين الكيلومترات من الصحراء الكبرى دعاية هزلية، وربما كان الأجدى أن ينزل الجيش الأمريكي ليقاتل رجلا لرجل. مع الأخذ في الحسبان أن هذه التنظيمات هيولية ومؤقتة، ومرتبطة بحالة ظرفية تعيشها الأمة الإسلامية كافة. فهل سيعي الأمريكان ومحللوهم هذه المقاربة؟
لقد قيل عن تنظيم “القاعدة” أيضا إنه صناعة أمريكية حتى وقع الحادي عشر من سبتمبر 2001، وها هو اليوم يقال مثل ذلك عن تنظيم “داعش”. قد يصح منطقيًّا أن يُستغل تنظيم للتدخل، لكن لا يصح أن يُصنع تنظيمٌ ثم يُقتل؟ إلا إن كان من باب النكتة السياسية.
هم هكذا العرب في السلم كما في الحرب، بأسهم بينهم شديد حتى تكون لهم دعوةٌ من وحي رباني، لا السعودية ولا الانتقالي يملكان شيئا من ذلك البتة؛ فالمملكة تنظر بريبةٍ إلى المكونات اليمنية ولا تثق في أحد منهم، والانتقالي يعيش في الماضي وليس لديه مشروعٌ وحدوي. تبقى بذور الحق متناثرة بين الطوائف التي عندها نظرة إسلامية للحل، الإخوان والحوثيين والقاعدة، ولكن هؤلاء يعانون من التعصب والحزبية الضيقة. وحتى تنضج المشاريع التي يقبلها الشرع الحنيف وترضي الله والرسول، سيبقى حال اليمن كالثور الذي سقط وتجمَّع حوله الجزارون. أسأل الله أن يعيد اليمن حكيما مؤمنا كما وصفه المصطفى صلى الله عليه وسلم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!