-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

أستطيع أن أتخيل..!!

مروان ناصح
  • 3025
  • 1
أستطيع أن أتخيل..!!

-1-في مطالع القرن الماضي، كان شاعر إنجليزي عجوز يتجول على مشارف إحدى قرى الريف، متوكئاً على عصاه، يقوده حفيده الطفل، حين سُمع في الأعلى هدير أول طائرة ركاب تحلق في سماء بريطانيا..!! وبعد أن تحقق الطفل _ بعينيه المدهوشتين _ من وجود تلك الأعجوبة الخارقة، في سماء القرية، أَحبَّ أن يشرك جده الشاعر في غبطته لهذا المنظر العجيب، فقال يحثه على ذلك مشيراً بيده نحو تلك المعجزة:

ارفع رأسك يا جدّي.. وانظر هناك عالياً..

 لماذا..؟؟

لترى أول طائرة تحمل بشراً تمرَّ في سمائنا!!

لا حاجة بي إلى ذلك..!!

ولكن.. لماذا يا جدّي..؟؟!!

لأنني أستطيع أن أتخيلها..!!

ومنذ أن قرأت هذه الحكاية، عن ذلك الشاعر الإنجليزي العجوز الذي غاب اسمه عن ذاكرتي؛ وذلك في سياق أجمل رواية كتبت في أواخر القرن العشرين: “خفة الكائن التي لا تحتمل” للكاتب التشيكي _ الفرنسي “ميلان كونديرا”.. منذ تلك السنوات البعيدة، وأنا لا أكفّ عن اللجوء إلى مقدرتي على التخيّل، بديلاً عن “الحملقة” المزعجة، في كثير مما يعرض لي من الأحداث، والمواقف، والأشياء؛ صغرت أم كبرت، لا سيّما إذا كان ثمن تلك “الفرجة” أو “الحملقة” يتوجب عليَّ أن أدفعه بالعملة “الأصعب” على المستوى الإنساني: “الكرامة”.. شخصية كانت أم اعتبارية.. عابرة أم مستقرة في صميم الفؤاد، وتلافيف الذاكرة..!! وكثيراً ما تقفز إلى واعيتي _ عندما أتذكر موقف ذلك الشاعر الإنجليزي العجوز من أكبر حدث صناعي في عصره _ أبيات شاعرنا العربي “أحمد شوقي” التي وصف فيها الطائرة معبراً عن دهشته الفائقة أمام ذلك الاختراع العجيب:

مَرْكَبٌ لَوْ سَلَـفَ اَلدَّهْرُ بهِ

                             كَانَ إحدَى مُعْجزَاتِ الْقُدَمَــــاءْ

نِصْفُهُ طَـيْرٌ وَنِصْـفٌ بَشَرٌ

                            يَا لَهَا إِحْدَى أَعاجيِبِ الْقَضَاءْ!!

فيا للسذاجة!! من أمير شعراء العربية في ذلك العصر!!

 .

2

وأذكر أنّ أول قفزة “اقتباسية” لا شعورية، لموقف ذلك الشاعر الإنجليزي العجوز، إلى سنّ قلمي، حدثت عندما كنت منفعلاً في كتابة مشهد “ساخن” بين بطلة مسلسلي “مقعد في الحديقة”، ورجل عجوز ثري جداً صادفتْه _ وهي في قمة أزمتها بعد طلاقها من زوجها الذي تحبه حباً جنونياً _ فانتهز هذا العجوز ظرفها الاستثنائي، وراح يطاردها في كل مكان، عارضاً عليها قلبه وماله وما تبقى من أيام عمره..!! وكان أكبر إغراء _ قدّمه إليها _ أنه وعدها باصطحابها إلى أمريكا لتعيش هناك عيشة الملوك..! فما كان منها إلا أن صرخت في وجهه رافضة كل مغرياته وكل وجوده أيضاً:

توقف عن الكلام أرجوك.!!

إني أحدثك عن أمريكا..!!

لا أريد أمريكا..! لا أريد أن أراها..!!

لماذا..؟؟!

أستطيع أن أتخيلها..!!

 .

3

ويحدثني بعض الأصدقاء هذه الأيام عن “شاشات” الفضائيات في شهر رمضان الكريم لهذا العام، التي يتوقع لها أن تكون شبه مقفرة من المسلسلات الدرامية السورية قائلين:

أتذكر يوم أن أخذت نشوة النجاح بمجامع قلوبنا؟ وحار أهل المهنة جميعاً كيف يحتفلون بوصول الإنتاج الدرامي السوري إلى الرقم القياسي المدهش: 50 مسلسلاً في موسم واحد؟؟!!

أذكر ذلك ولا أنساه..!!

أتذكر أيضاً كيف دفعت بنا طموحاتنا “المضللة” أو الغافلة” إلى تنظيم الملتقى الدرامي السوري الأول عام 2010 ولم نكن ندري أنه سيكون “الأول والأخير”؟؟!!

– وهل يمكن أن تُنسى تلك الليالي الطويلة التي انفقناها في سبيله..؟؟ تنظيماً.. اعداداً.. تدقيقاً في كل شاردة وواردة؟؟!! أم تلك الأيام الجميلة التي حفلت بالندوات، والحوارات الصاخبة، في شؤون الدراما كافة: إنتاجاً وتوزيعاً.. عوائق.. مطالب.. “جردة” حسابات لما تمّ إنجازه.. وقائمة طويلة بأحلامنا المستقبلية”..!! وعلى رأسها ترسيخ أسس علمية”، لصناعة درامية راكزة ومتطورة في آن معاً..!!

وا أسفاه.. لقد ذهب كل ذلك أدراج الرياح..!!

نعم.. لقد كانت “الريح تقرع الباب” كما أخبرنا الشاعر العراقي الكبير بدر شاكر السياب.. ولكننا لم نسمعها في دوشة “النجاح”..!! وغيبوبة الغفلة”!!

– والآن.. كيف سترى “الشاشات” العربية في رمضان..؟؟ وهي شبه خالية من نبض الدراما السورية، الذي كان لإيقاعه المحبب نشوة تجدد الانتباه إلى جمال الحياة، وثرائها بكل ما يجعلها جديرة بأن تعاش..!! بحلوها ومّرها.. بضحكاتها ودموعها.. بقسوتها وحنانها.. بظلامها وشموسها التي لا تغيب..؟؟!!

لن أنظر إلى تلك “الشاشات”..!

لماذا…؟؟!!

– .. أستطيع أن أتخيلها..!!

 .

4

ويحدثونني عن “مخرج” سوري عتيق، راح يتجول مع الكاميرات في شوارع الخراب..!! وبين الجثث المتناثرة هنا وهناك..!! قائلين:

– انظر إليه وهو يمشي بخيلائه “المعتادة” فخوراً..!! بليد الأحاسيس..!! أعمى بصر وبصيرة..!! وقد أخذته “العزة” بالإثم..!! ودوَّخته “السكرة” بحلم قديم مبيَّت: أن يكون نجماً أمام الكاميرات لا خلفها..!! وها هو ذا يمثل دور “المخرج” العظيم أمام المصورين..!! لتتاوازع الفضائيات والإنترنت صوره “الفاضحة” وهو يردد أنه سيحتفظ بلقطاته هذه، لأعمال قادمة ينوي إنتاجها وإخراجها!! وليس هنالك _ والله _ ما يجسد وضعه الشاذ هذا.. أكثر من المثل الشعبي العريق: “إنه كالقط.. يفرح بعزاء أهله”!!.. انظر إليه!! افتح الإنترنت وانظر إليه..!!

لن أفعل..!!

لماذا؟؟!!

أستطيع أن أتخيله..!!

 .

5

لقد سكن ذلك الشاعر الإنجليزي العجوز قلبي، وتغلغل في دمي ومحبرتي، ولم يغادرهما قط إلى يومي هذا..!! 

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
1
  • رواية اللص

    يقولون كيف تكتب قصة وانت لا تفهمها

    تستطيع ان تتخيلها

    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    .
    النهاية