أسرار لا تموت!
لم يعد الرأي العام، خاصة “جيل الاستقلال”، قادرا على الفهم والاستيعاب، في ظلّ “هوشة” بين “جيل الثورة” حول وقائع تاريخية وتأريخ الأحداث. ويكاد أيّ عاقل أن يفقد صوابه وتوازنه، عندما يشتدّ الصراع والنزاع بين “كبار” من المفروض ألا يكذبوا على بعضهم البعض، ولا يكذّبوا بعضهم البعض ويطلقوا نيرانا حيّة ومطاطية على صدورهم ورؤوسهم!
مذكرات وشهادات واعترافات، موقعة وأخرى منسوبة، وثالثة منقولة، على لسان الشاذلي بن جديد وعلي كافي وخالد نزار ورابح بيطاط واعمر بن عودة والطاهر الزبيري وعبد الحميد مهري ودحو ولد قابلية وعلي هارون، وغيرهم كثير لا يعدّ ولا يُحصى، من الأحياء والأموات، فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدّلوا تبديلا!
الشهادات تحوّلت في كثير من الفصول إلى اتهامات ثقيلة، والاعترافات انساقت إلى الحقّ في ممارسة “السبّ والشتم” والقذف والإساءة والإهانة والتجريح في كثير من الحالات. وهو ما نقل الرعب إلى هؤلاء وأولئك، وأفقد جزءا من “التاريخ” مصداقيته وهيبته وسمعته وأبعده عن الحقائق الموثقة في نظر الجيل الذي لم يعش أطواره وأبعاده القديمة!
الأكيد أن في السيول المتهاطلة من التصريحات والتصريحات المضادة، هناك حقيقة غائبة أو يُراد لها أن تغيب، لكن هل بهذه الطريقة “المملـّة” و”المشوّقة” في نفس الوقت، يتمّ كتابة التاريخ بكلّ أمانة ونزاهة وحياد، وبعيدا عن الهلوسة والتحريف والتخريف؟
عندما ينساق التاريخ القديم والحديث نحو هاوية الانتقام وتصفية الحسابات و”تجريم” الآخر و”تخوينه”، حتى وإن كانت حقيقة مرّة، لا يُمكن للمتلقـّي، سواء كان قارئا أم مستمعا أم مشاهدا، أم مؤرخا أم باحثا، أم حتى “شاهدا على عصر”، أن تـُثار شهيته لمتابعة المزيد من الوقائع المثيرة والخطيرة، اللهمّ إلا رصد “الأسرار” والخبايا التي تضرّ ولا تنفع بأثر رجعي!
نعم، التاريخ لا يرحم، وتزوير التاريخ هو جريمة بوسعها أن تضلّل الأجيال وتغلـّطها وتضرب أخماسها بأسداسها، لكن لماذا تغرق بقايا “العلب السوداء” في مستنقع نبش الجراح ورشها بالملح؟ بعدما انتقلت علب أخرى إلى جوار ربها وهي صامتة متحفظة مضربة عن الكلام والشهادة، فماتت ومات السرّ معها إلى أبد الآبدين!
يجب أن يتكلـّم الصامتون للإفادة والاستفادة وإن اقتضى الأمر الإعادة، وحتى إن برّأ بعض “شهود الزور” المذنبين والمتورّطين والمشبوهين، فإن التاريخ لن يرحمهم، مثلما لا يُمكن أبدا لأيّ كان، أن يشوّه الشرفاء ويُدنس مسارهم، وإن كانوا في القبور يرقدون!