-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
تُعاني الحروق والاختناق والجوع والعطش

أطباء بيطريّون يهبون لإنقاذ الحيوانات المنكوبة

نادية سليماني
  • 193
  • 0
أطباء بيطريّون يهبون لإنقاذ الحيوانات المنكوبة

لم تكُن الحرائق التي اجتاحت عددا من الولايات الشرقية مجرد كارثة طالت الغابات والمنازل والممتلكات، بل خلفت مأساة أخرى، بعدما وجدت مئات الحيوانات نفسها محاصرة وسط ألسنة اللهب والدخان، عاجزة عن الهرب أو العثور على مأوى آمن. فالمواشي والكلاب والقطط والطيور وغيرها من الحيوانات دفعت هي الأخرى ثمنا باهظا لهذه الكارثة، بين التي نفقت حرقا وأخرى تعاني جروحا بالغة وحتى كثير منها مصدومة نفسيا، بحسب ما أظهرته فيديوهات على منصات التواصل الاجتماعي.

في الوقت الذي انشغل فيه السكان بإنقاذ أرواحهم وإخراج أفراد عائلاتهم من المناطق المهددة، تركت حيوانات كثيرة خلفهم، ليس إهمالا، وإنما بسبب سرعة انتشار النيران وخطورة العودة إلى المناطق المحاصرة. ومع انحسار ألسنة اللهب، بدأت تظهر مشاهد مؤلمة لحيوانات مصابة بحروق في مختلف أنحاء أجسادها، وأخرى تعاني من الاختناق بسبب الدخان، فضلا عن حالات الجفاف والجوع بعد انقطاعها عن مصادر الماء والغذاء.

وأطلق كثير من السكان المتضررين بالولايات الشرقية، نداءات لإنقاذ حيواناتهم الأليفة، الناجية من الحرائق، والتي يلاحقها الجوع والعطش في الغابات المحترقة، بحيث عجز أصحابها عن توفير الكلأ لها.

جعفري: ضرورة إنشاء فرق بيطرية وطنية للكوارث

بينما انتشرت فيديوهات مؤثرة لخنازير برية، تجري تائهة بين الأشجار المحروقة، وقردة إحداها تحمل ابنها النافق، بحيث رفضت التخلي عنه، وأخرى محروقة كليا، ويبدو أنها تعاني من صدمة.

وتزداد معاناة الحيوانات التي نجت من الحرائق بسبب غياب الرعاية البيطرية الكافية في المناطق المنكوبة، في وقت تحتاج فيه الحالات المصابة إلى تدخل سريع لتطهير الجروح ومعالجة الحروق وتعويض السوائل ومواجهة الالتهابات والاختناق وغيرها من المضاعفات.

اللجنة الوطنية للبيئة وحماية الحيوان: “كل روح تستحق أن تعيش”

وأمام هذه المأساة، قرر عدد من الأطباء البيطريين، التوجه إلى المناطق المتضررة للمساهمة في إنقاذ الحيوانات المصابة وتقديم الإسعافات والعلاج لها.

إسعافات للحيوانات المتضررة

ومن بين المبادرات التي تعكس هذا الحس الإنساني، أعلن البيطري كيحل فاتح، المنحدر من العلمة، عن استعداده للتوجه إلى ولاية جيجل، لتقديم الإسعافات والعلاج للحيوانات المتضررة من الحرائق، داعيا البيطريّين وبائعي الأدوية وحتى المواطنين الراغبين في المساهمة إلى توفير الأدوية والمحاليل ومختلف المستلزمات الضرورية للتكفل بالحيوانات المصابة.

وقال الطبيب في رسالته، بأنه سيتوجه نحو ولاية جيجل لتقديم إسعافات وعلاج الحيوانات المتضررة، مؤكدا عزمه التحرك صباحا، في مبادرة تختصر الكثير من معاني الرحمة والتكافل في زمن الكوارث.

نداءات للتبرع بالتبن والأعلاف والشعير…

ومن جهتها، أعلنت جمعية الحكمة للأطباء البياطرة لولاية ميلة، عن تنظيم قافلة تضامنية مع المتضررين من الحرائق، وذلك لتقديم يد العون لأهالي المناطق المتضررة، وحيواناتهم، مع الاعتناء بالحيوانات الغابية. ودعت الجمعية، الراغبين في المساعدة، إلى التبرع بمياه الشرب، الأكل، الأدوية الخاصة بالإنسان والحيوان.

وتفاعلت أصحاب عيادات بيطرية مع هذه القافلة التضامنية، أين سيتم معالجة الحيوانات.

ولا تقتصر الحاجة في المناطق المنكوبة على الأدوية فقط، إذ يمكن للمواطنين المساهمة بما يتوفر لديهم من غذاء وماء ومستلزمات للعناية بالحيوانات، فيما يبقى التنسيق بين الأطباء البيطريين والجمعيات والناشطين والسلطات المحلية ضروريا لضمان وصول المساعدات إلى الحيوانات الموجودة في القرى والمناطق التي مستها النيران.

كما ناشدت اللجنة الوطنية للبيئة وحماية الحيوان، إلى إغاثة الحيوانات التي احترقت في الغابات، داعية إلى معالجتها وعدم تركها تنفق تحت شعار “كل روح تستحق أن تعيش”.

بيطريون يفتحون عياداتهم مجانا…

فنجاة الحيوان من ألسنة اللهب لا تعني انتهاء معاناته، فالحروق قد تكون عميقة، واستنشاق الدخان قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة، كما أن الخوف الشديد قد يجعل الحيوانات تفر بعيدا عن مناطقها، ما يعرضها للجوع والعطش والضياع أو الدهس.

وتبقى صور الحيوانات المصابة شاهدة على الوجه الآخر للكارثة، وتذكر بأن حماية الأرواح في أوقات الحرائق لا ينبغي أن تقتصر على البشر وحدهم. فهذه الكائنات لا تستطيع طلب النجدة، ولا اختيار مكان آمن، ولا التعبير عن ألمها بالكلمات، ولذلك تصبح مسؤولية الإنسان أكبر في مد يد العون إليها.

وفي خضم المأساة، تتحول مبادرات الأطباء البيطريين والمواطنين والمتطوعين إلى بارقة أمل، تؤكد أن التضامن لا يقاس فقط بما يقدم للإنسان، بل أيضا بمدى قدرتنا على حماية الكائنات التي تشاركنا المكان والحياة، خصوصا عندما تعجز هي عن إنقاذ نفسها.

وبرزت مبادرات إنسانية لافتة من أطباء بيطريين قرروا وضع خبرتهم وإمكانياتهم تحت تصرف الحيوانات المتضررة، في صورة جديدة من صور التضامن خلال الكوارث.

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي، إعلانا لطبيب بيطري من ولاية قسنطينة، دعا من خلاله المواطنين الذين تمكنوا من إنقاذ حيواناتهم المتضررة من الحرائق إلى التوجه بها إلى العيادة، مؤكدا أن الرعاية ستكون مجانية، وتشمل العلاج والمتابعة الطبية إلى غاية التعافي التام.

حيواناتُ لا تزال عالقة

ويؤكد مواطنون توجهوا إلى المداشر والقرى المحترقة، مصادفتهم لكثير من الحيوانات الناجية من الحرائق، والتي تعاني من إصابات خطيرة، من بينها الحروق بدرجات مختلفة، الاختناق بسبب الدخان، الجفاف، الجروح، والكسور، فضلا عن الصدمات والخوف الشديد. كما يمكن أن تتعرض الحيوانات التي تنجو من ألسنة اللهب إلى مضاعفات صحية تظهر بعد ساعات أو أيام، وهو ما يجعل الفحص البيطري ضروريا حتى في الحالات التي تبدو مستقرة.

ولا تقتصر هذه المعاناة على الحيوانات المنزلية كالكلاب والقطط، بل تشمل أيضا المواشي والخيول والطيور والحيوانات البرية التي تفقد مساكنها ومصادر غذائها بسبب النيران.

وتعكس هذه المبادرات الدور الذي يمكن أن يؤديه الأطباء البيطريون في حالات الكوارث، خصوصا عندما تتسع دائرة الأضرار لتشمل الثروة الحيوانية والحيوانات المرافقة للعائلات. فالعلاج المجاني يخفف أيضا عن أصحاب الحيوانات الذين قد يكونون هم أنفسهم قد فقدوا منازلهم وممتلكاتهم، ويمنحهم فرصة لإنقاذ كائنات ارتبطت بهم عاطفيا لسنوات.

كما تفتح هذه المبادرات الباب أمام مزيد من التنسيق بين الأطباء البيطريين والجمعيات والسلطات المحلية، من أجل تنظيم عمليات استقبال الحيوانات المتضررة، وتوفير الأدوية والمحاليل والأغذية ومستلزمات الإيواء.

ومن جهتها، وجهت صفحات رقمية مختصة في الفلاحة، نداء إلى الموالين والمربين خصوصا، تدعوهم إلى التبرع بالتبن، الأعلاف، الشعير، أو أي نوع من المواد العلفية، لصالح الفلاحين وأصحاب المواشي المتضررين على إثر الحرائق الأخيرة التي ألمّت بالمربين في ولاية جيجل، أين فقد العديد منهم أعلافهم ومواشيهم، وضاع تعب سنوات من العمل والكدّ، وأصبحوا اليوم في حاجة ماسة إلى وقفة تضامنية ومساندة.

إصابة الجهاز التنفسي الأخطر

وفي الموضوع، تعتبر المفتشة البيطرية والمستشارة في القطاع الزراعي، هدى سميرة جعفري لـ”الشروق”، أنه في لحظة اقتراب النار، يستطيع الإنسان أن يهرب ويطلب النجدة، أما الحيوان الموجود داخل حظيرة أو مزرعة أو منطقة رعوية أو موطن طبيعي، فقد يكون محاصرا دون أن يمتلك أي وسيلة للنجاة.

وتقول بأن لكل فئة من الحيوانات طريقة إجلاء، ومنظومة حماية، سواء حيوانات أليفة، أم حيوانات مزرعة أم حياة برية.

“فالحيوان قد لا تكون لديه حروق كبيرة، لكنه تعرض لكمية كبيرة من الدخان والغازات الناتجة عن الاحتراق، كما أن إصابات الجهاز التنفسي الناتجة عن الدخان قد تحتاج إلى أسابيع حتى تتعافى بشكل كامل، لأن الحيوان الذي نجا من النار ليس بالضرورة حيوانا سليما”، على حد قولها.

لتؤكد البيطرية، على أن إجلاء الحيوانات وإنقاذها بعد الحريق، يحتاج إلى فرز الحالات الحرجة، ثم الأقل خطورة. وكما أن إجلاء قطيع من 500 أو 1000 رأس، يحتاج إلى شاحنات ومسارات إجلاء مسبقة ونقاط تجميع ومياه وأعلاف، إضافة إلى فرق بيطرية.

وتشدد محدثتنا، على ضرورة توفر مخزون طوارئ من الأعلاف والمياه في المناطق المصنفة عالية الخطورة. كما يجب عدم السماح للحيوانات بالرعي مباشرة في المناطق المحروقة قبل تقييمها.

وبالنسبة للحيوانات البرية، فيكون الإنقاذ من خلال فرق متخصصة في الحياة البرية والطب البيطري، ثم إعادة الحيوان إلى الطبيعة.

واقترحت جعفري، إنشاء فرق بيطرية وطنية للكوارث تضم، أطباء بيطريين ومساعدين، مختصين في الحياة البرية ومختصين في الصحة الحيوانية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!