أما آن لهذه الحكومة أن ترحل
زادت الاحتجاجات والمسيرات والاضرابات خلال العشر سنوات الأخيرة بصورة جعلت منها ظاهرة اقتصادية واجتماعية لافتة، وتشير الاحصاءات الى أن حجم تلك الاحتجاجات فاق بكثير حجمها منذ الاستقلال، وتشكل المظاهرة الطلابية التي شهدتها العاصمة أمس الأول الثلاثاء مؤشرا مهما على تطور الوعي الاصلاحي للجزائريين، وكما أسلفنا في مقال أخير فإن انخراط مجتمع الطلبة في الاحتجاج بشكل منظم يعني نقطة ايجابية في فضاءات التغيير يجب دعمها باستجابة مناسبة من السلطات، وربما نعيش حاليا مرحلة تاريخية في حياة الجزائر انتقلت فيه مطالب التغيير من اللا وعي الى ساحة الوعي.
-
صحيح أن هامش الحريات وسلاسة التعبير التي سمح بها النظام الفعلي في الجزائر قد عززت من امكانيات الخروج للشارع بشكل أكثر انتظاما عكس الفترة التي كانت فيها الأوضاع السياسية في البلاد خاضعة لاعتبارات التسلط، وفي ذلك حس وطني راق وحكمة بالغة، ولكن سوء أداء الحكومات في الفترة الأخيرة وانتشار الفساد الاداري يكون قد لعب دورا محوريا في تأجيج الاحتجاج على خلفية اللا توازن في المنظومتين: الاقتصادية والاجتماعية. فما هي دلالات توسع رقعة المسيرات في الجزائر عقب الاعلان عن سقوط النظام السياسي في كل من تونس والقاهرة؟ ولماذا يصر النظام السياسي الجزائري على وضعية السكون فيما له علاقة بالتغيير والاصلاح الحكومي؟
-
-
هل استقالت الحكومة
-
ربما يكون الوزير الأول قدم استقالة الحكومة ولم تقبل، وربما لم يفعل ذلك وفضل صانعو القرارات في الجزائر تأجيل إقالة الحكومة حتى لا يحسب ذلك في خانة الثورة العربية الشاملة، وربما تحالفت الحكومة مع النظام للإبقاء على وضعية “السكون” حتى يتم اختبار مدى تنظم الفئات الواسعة في المجتمع حول مطالب محددة تشكل ساحة إجماع، ونرجو أن يكون في كل ذلك حكمة وخير في انتظار مبادرة قوية من السلطات بمناسبة خطاب رئيس الجمهورية المرتقب بعد غد السبت. فالوضع الاجتماعي والاقتصادي لم يعد يتقبل مزيدا من الانتظار للشروع في تطبيق حلول أكثر فعالية للمشكلات العالقة في كل القطاعات تقريبا، كما أن الضغط الديمغرافي من فئة مولودي مرحلة الاستقلال يدفع الى ضرورة إعادة تشكيل مؤسسات الدولة على “كيميائية” جديدة يشكل فيها عنصر الشباب السمة البارزة، عكس الوضع الراهن حيث يصل متوسط عمر المسؤولين الى مستوى ترفضه حتى أدبيات العمر لدى لاعبي كرة القدم. ولا ينبغي أن يفهم من ذلك تهميش حكمة الشيوخ في ادارة شؤون البلاد الحالية والمستقبلية، فأدوات الرقابة على القوانين تسمح باستغلال المؤسسات الحكيمة شأن “مجلس اللوردات” في لندن أو “مجلس الشيوخ” في واشنطن أو قبل ذلك ”أهل الحل والعقد” في الفكر السياسي الاسلامي.
-
-
لا تقرؤوا هذه الأرقام!
-
قفزت “سنغافورة” وهي جزر صغيرة في آسيا لا موارد طبيعية لها ، خلال 40 سنة؛ أي منذ العام 1960 -تاريخ قريب من تاريخ استقلال الجزائر- من حجم انتاج محلي قدره 0.7 مليار دولار الى 99 مليار دولار؛ أي بزيادة قدرها 140 مرة أخذا بعين الاعتبار القيمة المتغيرة للدولار في الزمن، وقفز متوسط الدخل الفردي فيها من 435 دولار الى 16475 دولار؛ أي بزيادة قدرها 37 مرة، وارتفع حجم تجارتها الخارجية وجلها من الصادرات من 2.5 مليار دولار الى 257.4 مليار دولار؛ أي بزيادة قدرها 100 مرة، وتراجع مستوى البطالة من 10 بالمائة الى 1.8 بالمائة. ونفس الكلام ينطبق على الصين منذ 1980، وعلى كوريا الجنوبية منذ 1970، وعلى ماليزيا منذ 1971، وعلى تايلاندا منذ 1987، وكلها دول بدأت صغيرة لا شأن لها وصارت خلال 30 سنة دولا توصف بالنمور، وغير دول آسيا هناك “تركيا” التي قفز فيها الناتج الداخلي الخام خلال عشر سنوات الى 663 مليار دولار والصادرات من السلع الانتاجية الى 107 مليار دولار، وبالنسب المئوية تبلغ الزيادة السنوية في الناتج في تركيا 187 بالمائة والزيادة في التجارة الخارجية 216 بالمائة، ولا تنتج تركيا الطاقة بل تستورد النفط والغاز ولا تستورد غير النفط والغاز.
-
ويعود تفوق هذه الدول -التي تشبهنا في البنية التاريخية، وبعضها مثل ماليزيا يشبهنا في الثقافة والدين، وبعضها يقل عنا في موارد الطبيعية مثل تركيا وسنغافورة- الى عاملين اثنين: حكومات قوية لها رؤية وتعي ما تفعل وتدرس ما تعي، تشبت بالثقافة الوطنية واللغة كمحتوى اقتصادي وتنموي. ولا يهم بعد ذلك من يحكم إسلاميا كان أم لائكيا، محافظا أم حداثيا، حيث تحقق اجماع شعبي واضح حول مفردات التنمية، مما جعل مسعى الأنظمة الحاكمة فيها مسعى اجتماعيا.
-
-
وعن بلادنا الحبيبة
-
حبا الله الجزائريين أكثر مما أعطى النمور الآسيوية وتركيا من موارد طبيعية وفئة سكانية نشطة وتماسكا ثقافيا ووحدة فكرية وانسجاما مذهبيا، ولكن فقد الجزائريون منذ نصف قرن -أي منذ الاستقلال السياسي العام 1962 – التعليم الأصلي كحامل للغة، اللغة الوطنية كحامل للتنمية، الحكومات القوية كحامل للرؤى التنموية، الادارة الناجعة كحامل للفكرة والرسالة الواضحة كحامل للتقدم، واستسلم واضعو السياسات في الجزائر لبقايا الاستعمار الفرنسي في أروقة الادارة والاقتصاد والبنوك والتعليم، والنتيجة كما نرى: تراجع مؤشرات التنمية البشرية للمراتب الدنيا عالميا، تراجع نصيب الصناعة في الناتج الداخلي الخام من 25 بالمائة خلال السبعينيات الى 5 بالمائة اليوم، تراجع نسبة السلع في الصادرات من 30 بالمائة بعد الاستقلال الى 2 بالمائة اليوم، وخلال نصف قرن تحولت الجزائر من بلد مصدر للبرتقال الى أكبر مستورد للقمح في العالم، ومن مجتمع متقارب في الدخل الى شبه مملكة لا تعيش فيها سوى البورجوازية الصغيرة، وضاع العدل حيث حل النفوذ وتبخر الصلاح حيث حل الفاسدون، وتحول جنوبنا الشاسع الجميل الى حقل بترول كبير عجزنا حتى على تحويله الى قطب لصناعات بتروكيميائية متفوقة، وإذا بنا نصدر لفرنسا النفط الخام كي نستورد منها 500 مادة مشتقة من نفس النفط. أما على سلم الحريات والمشاركة السياسية والمظالم الاجتماعية والحكم الصالح، فالأفضل أن نصمت عن الكتابة، لأن معلومة واحدة عن ذلك تجعل الولدان شيبا وربما اشتعل الرأس من قراءتها شيبا.