أوقفوا النزيف!
لماذا لا يجلس الوزراء السابقون مع اللاحقين، فيتناقشون على الأزمة المالية المنجرّة عن انهيار أسعار البترول؟.. وإلى متى تبقى هذه “الخصومة” بين هؤلاء وألئك؟.. الأوّلون غاضبون لأنهم غادروا ولم تعد كلمتهم مسموعة، والجُدد يعتقدون أن فوق رؤوسهم ريشة!
بعض السابقين انتظروا 27 سنة للحديث عن أسباب وأهداف أحداث الخامس أكتوبر 1988، ومنهم من انتظر 29 سنة للتحذير من سيناريو أزمة 1986، وبعض اللاحقين يهوّنون من الأمر، ويظنون أن “كلّ شيء على ما يُرام“، وأن المخوّفين لا يملكون المعلومة الحقيقية ولذلك فإنهم يخوّفون الجزائريين بتداعيات الأزمة الاقتصادية الجديدة؟
السابقون ينصحون اللاحقين بـ “قول الحقيقة للشعب“، واللاحقون يتهمون اللاحقين بالتهويل والتضخيم والتحريض ونشر الدعايات المغرضة والبلبلة، ويبسّطون الأزمة ويقولون إنها لا تستدعي كلّ هذه الطوارئ والحمى المالطية والفوبيا والزهايمر!
لو التقى هؤلاء وأولئك في جلسة “قهوة” لربما اتفقوا على أن يتفقوا بدل ألا يتفقوا، فتتوقف عملية ترويع المواطنين بالقادم من محنة نتيجة لسياسة “تزيار السنتورة” والتقشف وترشيد النفقات العمومية!
لم تعد “الهدرة” وحدها كافية لتطمين الأغلبية المسحوقة من الجزائريين، وعندما ينتقل الرعب إلى المسؤولين أنفسهم، فهذا دليل على أن الأزمة المالية بالفعل حقيقة وواقع لا يُمكن القفز عليها أو معالجة السرطان بمسكنات الأسبيرين أو الدوليبران!
مصيبتنا أن الأولين يصنفون أنفسهم في خانة “المحقورين“، واللاحقين يُبعدون شبهة الخطإ والخطيئة عن أنفسهم، ولذلك لا يلتقي الفريقان، ولا يُريدان أن يلتقيا حتى لا يُحرجا بعضهما البعض، وحتى لا يُفسد إزعاجهما لبعضهما البعض للودّ قضية!
لا فائدة لتراشق كلامي وتصفية حسابات تيقن الجزائريون أنها “ماتوكلش خبز“، وأنها مضيعة للوقت، وأنها انحراف وتحريف لا طائل من ورائه سوى تتفيه وتسفيه القضايا وتأجيل الحلول وتعطيل البدائل ومخارج النجدة، خاصة عندما يتعلق الأمر بكبرى القضايا المصيرية!
الأزمة المالية كان من المفروض أن “تجمع شمل” العائلات السياسية والاقتصادية، الرسميين والمختصين والخبراء، لكنها مازالت رغم ظهور ملامح سقوط الفأس على الرأس، منفرة مشتتة مفجّرة للفتن والقلاقل و“فلسفة الأمور” بين هؤلاء وأولئك!
المطلوب جلسة كبار وضمير، لإنقاذ ما يُمكن إنقاذه، قبل أن يتعمّق الجرح، ويصعب وقف النزيف، وتصبح الأزمة مأساة والخسارة حتما مقضيا!