أي إرهاب ستحاربون؟
غياب الجزائر في آخر تكتل عسكري يخرج للعلن لأجل محاربة الإرهاب، يبدو منسجماً تماما مع العقيدة العسكرية الجزائرية التي ترفض التدخل عسكريا خارج الحدود، وهو موقفٌ ينبغي أن تثبت عليه لأن ما يفرّق التحالف الإسلامي لمحاربة الإرهاب الذي أعلنته السعودية وانضمت إليه 34 دولة إلى الآن، أكثر مما يجمعه.
وأكبر نقطة خلاف بين الدول المشاركة في هذا التحالف الغريب هو تعريفهم للإرهاب في حد ذاته، فالسعودية مثلا تعتبر الحوثيين في اليمن إرهاباً وهي تحاربهم، والإمارات ترى الجماعات المنضوية تحت “فجر ليبيا” إرهابا وهي تحاربهم عبر الدعم العسكري واللّوجيستي لجيش حفتر، والأخطر من ذلك كله أن مصر ترى في حماس وغيرها من فصائل المقاومة إرهاباً، وهي تحاربها إعلاميا وتحاصرها وتخنق قرابة مليوني فلسطيني بالحصار بسببها.
لو تمعنا في قائمة الدول الموجودة في هذا الحلف لوجدنا أن العديد مسؤول عن ظاهرة الإرهاب، فـ”داعش” و”جبهة النصرة” و”أنصار بيت المقدس” تنظيماتٌ مسلحة بنيت بتمويل وتسليح كامل من هذه الدول ولم تسقط من السماء، وبعد أن استفحل خطرُها وتمدد نفوذها دعوا إلى هذا التحالف الغريب الذي لم يُشكّل لنصرة الروهينغيا في بورما، ولا لنصرة الفلسطينيين، ولكن لضرب بعبع صنعوه بأنفسهم!
الجزائر أول من حارب الإرهاب ولا زالت تحاربه، وقد قدّمت في ذلك تجربة مفيدة لغيرها من الدّول التي تواجه الظاهرة، ولكنها لن تقبل بأن تتحول إلى أداة تحت تصرّف دول أخرى غارقة حتى النّخاع في الشّحن الطائفي الذي يمزّق الجسم الإسلامي والعربي ويخلق توترات وأزمات يدفع ثمنها الأبرياء من المستضعفين في سوريا واليمن والعراق وغيرها.
حددوا أولا معنى الإرهاب ثم حاربوه، وأول خطوة في محاربته هي تجفيف منابعه الفكرية التي يتغذى منها، مثلما حدث في الجزائر، إذ كانت المعركة التي قادها رجال الفكر والعلم، أشد تأثيرا من المعركة التي قادها رجال الأمن في الميدان.
ثم ما حكاية التكتلات العسكرية التي بدأت تتوالد كالفطريات؟ تحالف دولي ستيني يضرب داعش منذ سنة، وتحالف عربي يضرب اليمن منذ ستة أشهر، وها هو التحالف الثلاثيني الإسلامي الذي يتشكل من دول لا تستطيع ضرب أسراب الجراد التي تأتي على مقدراتها الفلاحية وتتسبب في تجويع شعوبها، وتهرول إلى السعودية للمساهمة في ضرب الإرهاب نيابة عن الدول الكبرى التي عجزت عن القضاء على الظاهرة.