أيتام في مأدبة اللئام!
…شباب يسأل عن المناخ، يحقق ليتحقق من بانوراما التضاريس، فيلتمس التركيبة الجغرافية وهارمونيتها، ويبحث عن طبائع البشر، ووعاء العمل، ونسبة البطالة في ذاك الفردوس المأمول، وعن عملته ومكانتها ومدى تداولها في بورصة الأسواق المالية، وموازنتها بتلك المحلية، وعن طبيعة النظام ودرجة انفتاحه على الآخر، وقدرة قابلية المجتمع فيه للمهاجر أو اللاجئ إليه في أحلك وأقسى الظروف، وعن صيغ الاندماج بمعيار الصعوبة والسهولة.
القارة العجوز المصنعة وكذا الأقطار المستنسخة عنها والعائمة في فلكها الرحب، كانت إلى زمن غير بعيد مستباحة للطالب والمطلوب، وهي التي هاجر إليها أسراب من “ذوي الألوان” – حسب التصنيف العنصري الغربي للبشر – للظفر بالخبز الحافي لسد الرمق مع تحويل جزئه الأكبر إلى العائلة وقطعة من القصدير للاحتماء.
الدخول إلى القارة العجوز، عبر الماء، إذ لا يكون إلا من اليابسة إلى اليابسة، فلا تتخللها محطات إلا محطة الهلاك المؤكد، وركوب البحر ليس كالنزول فيه، والرحلة من الضفة إلى الضفة ليست بالأمر الهين، فهي تتطلب الاستعداد والعتاد، وحسن قراءة البوصلة بحيث لا مجال للخطأ أو الصدفة، والإعداد لليلة كسر الأمواج ومعانقة العباب وقهر الماء الأجاج بقوارب النزهة والمسافات القصار، فهي من المطاط المنفوخ أو من أواني بلاستيك القمامات أو الخشب المسوس ذي السلامة المحدودة في الزمان والمكان.
“الحرڤة” مفهوم لم يأت من العدم، ومصطلح يفقهه بعض الشباب وعلق بسلوكه وقناعته وفكره، فرضته عليه الحياة المعيشة وهو تصرف اضطراري مفاده التحدي ومحاولة حل المشكلات والتمرد على كل أمر واقع واختصار للمسافات وفك لأغلال النمطية والثورة على التأشيرات والعزوف عن ولوج أروقة القنصليات المرتزقة، ليت “الحرڤة” ذات مرجعية حضارية منسوبة للفاتح طارق بن زياد وحادثة حرق السفن وخطابه ذو البعد التاريخي الموجه لجنوده: “اعلموا أنكم في هذه الجزيرة أضيع من الأيتام في مأدبة اللئام”، وكأنه بهذه العبارة يقول بالمفهوم الحديث “البقاء للأقوى ولا حياة للضعيف في هذه القارة”.
من باب الاستئناس أن أحد “الحراڤة” التائب عن فعله والناجي بجلده والعائد إلى أهله فقلت له: هل تعيدها؟ قال لي: تصور يا شيخ حين التقى الماء بالسماء وضاع منا الأفق، تصلب رأسي، سكن الخوف بطني وأحسست بكرة حديد بمعدتي، جفت السوائل في جسدي وتجمدت ففقدت الحركة، حينها تذكرت كل شيء في لحظة وأيقنت أني فقدت كل شيء في لحظة، وانتظرت قاهر الملذات.
الأستاذ: رحماني أحمد
.
…والله لم تترك لي شيئا أقوله، يا أستاذ، لكن دعني أضيف إلى تحليلك، وأضع يدي مع يدك على الجرح، بشأن هذا الملف المثير والخطير، فأعتقد أن “الحرڤة” لم تعد مختزلة في “الحراڤة” عبر البرّ والبحر والجوّ، “هربا” من اليأس والإحباط، وبحثا عن أحلام وردية قد تتحول إلى كوابيس مفزعة أو إلى سراب!
نعم، المصيبة أن “الحراڤة” زحفوا إلى مناصب مكيفة بالحكومة والبرلمان والمجالس المخلية، ومختلف الوظائق المهمة، ولذلك تمّ إنتاج وتفريخ “حراڤة” يركبون قوارب الموت للهرب من نتائج سوء التسيير الذي تورط فيه “حراڤة” يتخيلون أن المسؤولية تشريف وليست بالتكليف!