أيّها الفايسبوك..صحّ عيدك وغفر الله لنا !
كلما انتهى رمضان، جلسنا نعدّ الباقي المتبقي من البقية الباقية لبقايا “الصوارد” التي نجت من مقصلة التبذير و”الطمع والطاعون” والبذخ و”اللهفة واللهيف”، علما إن ما تبقى من مصاريف رمضان “ياكلها” العيد، وها نحن الآن ندخل مرحلة “التحبير والتشمير” لموسم العطل والأعراس، لتدوّخنا بالضربة القاضية، خاصة وأننا أصبحنا محترفين في “الماكلة بعينينا” !
لا تعتقدوا أن إقالة لكصاسي محافظ بنك الجزائر، سيملئ جيوبهم المخرومة بدنانير إضافية، أو إنه سيُنزل الأسعار، ويرفع الدينار ويهزم الأورو والدولار، فالمشكلة مرتبطة أساسا بإفلاس في التسيير والذهنيات، ولا تعتقدوا إن من “والف” يصرف الملايير سيُمكنه صرف الملايين، إلاّ إذا فرغت الخزينة وشحت “البقرة الحلوب”، وهذا النموذج لا يخصّ الخزينة العمومية فقط، وإنما يتعلق أيضا بتدبير “شحيحة” كلّ الجزائريين في بيوتهم !
نعم، لقد “والفنا” التبذير والإسراف وإقامة “الزرد” والمآدب، ولذلك لم ينجح التقشف وحتى “الهفّ” والضرب بالكفّ، بل هناك من حوّل الأزمة إلى “نكتة”، وطبعا شرّ البلية ما يُضحك، والمثل الشعبي يقول: “همّ يضحك وهمّ يبكي”..وللأسف أصبحنا نضحك ونبكي بلا معنى وبدون سبب، وإذا عُرف السبب بطل العجب !
عقلية “الزردة” ومفهوم “الهردة” هما اللذان حوّل التسريب والغشّ في البكالوريا، إلى “حق مكتسب”، ولذلك طالب تلاميذ محتجون بالنجاح دون نجاح، ولذلك أيضا نجح فاشلون بالفايسبوك و”الفستي”، وفضلوا أن يسبقوا الأيام المعدودات قبل شهر التوبة والغفران بالتدليس، وعيّدوا بعدها على حصيلة الخداع والنقاط المسمومة !
وما زاد الطين بلة، تسريبات البكالوريا التي أفسدت طعم رمضان وعيد الفطر، فلم يبق لنحو 800 ألف مترشح، أيّ شعور أو إحساس باللذة والألم معا، فقد نجحت “الأشباح” في مهمة إرباك التلاميذ وعائلاتهم، ولم تنجح في “إسقاط” بن غبريط ولا “بوبريط” ولو عن طريق “التبلعيط” !
حقا: بأيّ عيد عدت يا عيد؟..سؤال مشروع يطرحه كلّ تلميذ اجتهد وكدّ وسهر، يطرحه كلّ أستاذ نزيه، يطرحه كلّ أب وأم تعبا مع فلذة أكبادهم، ينصحون ويشجعون ويبررون..ماذا بقي للعيد وقد تحوّل الغشّ إلى “وسيلة” من وسائل النجاح، والتسريب إلى غاية يمتهنها تجار بيع الشهادات المزيفة وكشوف النقاط المضخمة بالأرقام والعلامات الافتراضية؟
انتهى رمضان ومرّ العيد السعيد، ومرّت امتحانات البكالوريا، وحلّ موسم العطل و”الهبل”، فبأي حال عدتي يا عطل؟..لم يبق أيّ ذوق للعطلة، فقد تعرّض تلاميذ الماضي والحاضر والمستقبل، إلى تسونامي، ضرب أعماق أعماقهم، والأخطر من ذلك، أنه اقتلع الشجر وجرف الحجر والبقر والبشر، ولم تعد الامتحانات الرسمية ذات هيبة مثلما كانت عليه في الزمن الجميل !
المشكلة لن تبقى محصورة مستقبلا في نتائج البكالوريا، التي أخلطت تسريباتها “توبة” رمضان، و”غفران” العيد، وإنما ستتعدّى نحو الأخطر، ولعلّ الخطير في هذا الانزلاق، هو “نجاح” مترشحين بالتسريب والفايسبوك، بعدما كان الغشّ يُساهم في إنجاح حالات فردية ومعزولة، لكن الآن أصبح الإنجاح “جماعيا” وبالجملة والتجزئة !
بأيّ حال عدت يا عيد؟..وقد نجح الغشاشون بالفايسبوك، وغزوا الجامعات، وسيستلمون بعدها شهادات نهاية الدراسة الجامعية، إما عن طريق “المعريفة”، التي نددت بها بن غبريط ولم تنجح في محاربتها وتقليم أظافرها، وإمّا بوساطة الأساتذة ممّن تعوّدوا على توزيع النقاط على الطلبة مثلما توع الحلويات على الأطفال المدللين لتجنب بكائهم !
لا يهمّ الإبقاء على النتائج بتسريباتها، أو إعادة الامتحانات وإفساد عرس الغشاشين والمحتالين، بقدر ما يهمّ مصداقية “الباك” التي لم يستغلّ مهندسو التسريب رمضان ليقوموا ويصوموا إيمانا واحتسابا، لكنهم سرّبوا وتواطئوا وضربوا “شهادة العمر” في نزاهتها وصدقيتها وشرفها، ولطخوها، وحوّلوها إلى “شخشيخة” لا هيبة ولا كبرياء لها !

الآن، فقط، تصدق حكمة الأوّلين الذين قالوا عن قصد أو عن جهالة: “ألـّي قرا قرا بكري”، فلم تعد البكالوريا تلك الورقة المحصّنة من الأمراض و”المنحرفين”، بل أضحت هدفا سهلا، وليس الفايسبوك سوى الق الذي يُراد به باطلا، في تشويه وتسفيه هذه البكالوريا التي كانت “بشلاغمها”، وها هي تتحوّل إلى “خطر على النظام العام”، تقتل الأساتذة والتلاميذ والأولياء بالقنطة، وتفتح الجامعة لكلّ من هبّ ودبّ ونصب !
قد يكون هذا الصيف، أطول فصل و”أسمطه” على الإطلاق، في حياة ومسار آلاف التلاميذ، ممّن حفظوا مثلما حفظنا عبارة: “من جدّ وجد، ومن غرس حصد”، لكن الظاهر إن “التكنولوجيا” أفسدت كلّ شيئ، أو بالأحرى هزمتنا وفضحتنا، لأننا أخذنا منها الفضائح والعار، وتركنا كلّ الأشياء الملاح والوقار ..ومع ذلك، رمضان كريم، وصحّ عيدكم، وكلّ عام وأنتم بألف مليون بخير، بعيدا عن حمّى الغشّ و”حُمّان” التسريب وحمائم الفايسبوك !