-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إحياء السنّة وإماتة الفقه!

سلطان بركاني
  • 1014
  • 4
إحياء السنّة وإماتة الفقه!
ح.م

كثيرة هي الأمثلة التي تدلّ على أنّ بعض شباب الأمّة الذين امتنّ الله عليهم بالهداية والاستقامة، ثمّ انحازوا إلى الطائفية الضيّقة، في حاجة إلى أن يعوا أهمية الفقه في دين الله، وأهمية فهم نصوص الشّرع قبل المسارعة إلى العمل بها، حتى لا يقعوا في أخطاء تزري بالملتزمين، وتحيّر العقلاء، وربّما تفتن بعض المسلمين في دينهم، وتصدّ الباحثين عن الحقّ.

من غرائب بعض الشّباب المتحمّسين لمشروع إحياء السنّة في نسخته الظّاهرية، إصرار فئام منهم على الاستياك بعود الأراك عند إقامة الصّلاة، رغم الظروف الخاصّة التي فرضتها جائحة كورونا، حيث ترى الواحد منهم لا يكتفي بإنزال كمامته إلى ذقنه، في المسجد، مخالفا جمهور المصلّين، حتى يستلّ عود الأراك من جيبه عند إقامة الصّلاة، ليشوص فاه، وهو قائم بين المصلّين في الصفّ.. هذه الظّاهرة التي كان المصلّون يستغربونها قبل كورونا، كيف بها في مثل هذه الظروف الخاصّة!

مشكلة هؤلاء الشّباب أنّهم ينظرون إلى الاستياك عند إقامة الصّلاة على أنّه سنّة ثابتة وراسخة، ينبغي الصّبر عليها في كلّ الظّروف والأحوال، ويعتقدون أنّ الاستياك مقصود لذاته وليس وسيلة لتنظيف الفم والأسنان يمكن أن يستعاظ عنها بما يؤدّي الغرض عند تغيّر الواقع والزّمان.. ليس هذا فحسب، بل إنّ بعضهم يذهب بعيدا ليجزم بأنّ السنّة في الاستياك أن يكون بعود الأراك دون سواه! فلا يُستغرب ممّن يتعامل مع نصوص السنّة بهذه السّطحية أن يصنّف الاستياك عند إقامة الصّلاة ضمن قائمة السّنن المهجورة التي ينبغي إحياؤها مهما كانت الظّروف والأحوال، استنادا إلى الحديث المشهور: “لولا أن أشقّ على أمّتي لأمرتهم بالسّواك مع كلّ صلاة”، لِظنّه أنّ عبارة “مع كلّ صلاة” الواردة في الحديث تعني عند إقامة الصّلاة، والواقع أنّ معنى “مع كلّ صلاة”: أي عند وقت كلّ صلاة أو عند إرادة الصّلاة، وهذا نظير قول الله تعالى: ((يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ))، فهل يُفهم من هذه الآية أنّ المصلّي ينبغي له أن يصطحب زينته معه حتى إذا كان عند باب المسجد لبسها؟ كلا، فالمعنى أخذ الزّينة عند إرادة التوجّه إلى المسجد، وهكذا قوله تعالى: ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْن))، فلا أحد يفهم من هذا الأمر أنّ المصلّي ينتظر إقامة الصّلاة ليتوضّأ، إنّما المقصود أنّه إذا أراد القيام إلى الصّلاة توضّأ.. وممّا يشهد لهذا المعنى أنّ حديث الاستياك روي في الموطّأ بهذا اللّفظ: “لولا أن أَشُقَّ على أُمَّتي لأمَرْتُهُم بالسواك مع كل وضوء”.

لأجل هذا، كرّه علماء المالكية –رحمهم الله- الاستياك داخل المسجد، لأنّه من إزالة المستقذرات، ومن الأذى الذي لا يليق بالمسجد مثل: المضمضة، وتقليم الأظفار، وحلق الشعر، قال الإمام مالك رحمه الله: “لا أحبّ لأحد أن يتسوّك في المسجد من أجل ما يخرج من فيه من السواك فيلقيه في المسجد، ولا أحب لأحد أن يتمضمض في المسجد”، والمالكية في مذهبهم هذا، لم يخالفوا حديث الاستياك، إنّما فهموه بلغته العربية التي فهمها به الصّحابة وتابعوهم؛ إذ لم يؤثَر عن أحد منهم أنّه كان يستاك في الصفّ عند إقامة الصّلاة، بل الأهمّ من هذا أنّ الاستياك عند إقامة الصّلاة لم يثبت من فعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل ثبت عنه أنّه كان يستاك في بيته قبل الانطلاق إلى الصّلاة، فعن زيد بن خالد قال: “ما كان رسول الله –صلّى الله عليه وسلّم- يخرج من بيته لشيء من الصّلوات حتى يستاك” (رواه الطبراني).. نعم ثبت عن النبيّ –صلّى الله عليه وسلّم- أنّه استاك في بعض الأوقات في المسجد، لكنّ هذا لم يكن عادة دائمة له، علاوة على أنّ مسجده –عليه الصّلاة والسّلام- كان مفروشا بالحصى، بخلاف المساجد الآن.

معضلة هؤلاء الشّباب الزّاهدين في الفهم والفقه وإعمال العقول، أنّهم ينظرون إلى فقه النّصوص على أنّه عقلانية مذمومة، ولهذا تكثر غرائبهم وشذوذاتهم ومخالفاتهم للأمّة، بما يجلب عليهم إنكار العامّة، فتأخذهم العزّة بما هم عليه ويظنّون أنّ إصرارهم على إلغاء الفقه والنّظر هو المقصود بغربة الدّين في آخر الزّمان، بينما حقيقة الأمر أنّه مخالفة لأمر الله وأمر رسوله –صلّى الله عليه وسلّم- بالنّظر في الأدلّة وفي مناطاتها: يقول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: “نضّر الله امرأً سمع منا حديثا فحفظه حتى يبلّغه غيره، فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورُبّ حامل فقه ليس بفقيه” (رواه الترمذي)، فلو كان مجرّد معرفة النصوص أو استحضارها كافيا، لما قال عليه الصّلاة والسّلام: “فرُبّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه”.

ومن المفارقات أن تجد بين كثير ممّن يسمّيهم الشباب المتسنّون بـ”العوامّ” وينظرون إليهم بعين الانتقاص، من تهديه فطرته إلى ما لم يبلغه كثير من هؤلاء الشّباب الذين يتناقلون النّصوص من دون فقه أو نظر، ومن أمثلة ذلك إصرارهم على تبنّي القول بتحريم التصوير الفوتوغرافي، والتزامهم تغطية العينين في صور ذوات الأرواح، وتحريم إسبال الثّياب لغير الخيلاء، والمسح على الجوربين والنعلين في الوضوء من غير حرج أو ضرورة، وصلاة تحية المسجد بعد العصر وعند خطبة الجمعة، وجلسة الاستراحة، وتشهد سجود السّهو، وصولا إلى الخوض في صفات البارئ سبحانه… بينما تجد جمهور الأمّة من العوامّ لا يلتفتون إلى هذه الاختيارات الشاذّة، لأنّ فطرتهم تأباها.

الحقّ يقال إنّ السنّة، بمفهومها الواسع، تكاد تكون مهجورة –حقيقة- في واقع أكثر المسلمين، بل قد أصبحت عند بعض المسلمين قرينا للمتروك، فهي عندهم تعني كلّ ما ليس فرضا ولا يجب العمل به، وبالتالي فحقّها التّرك! وعلى هذا فإنّ الانخراط في مشروع إحياء السنّة، هو عمل صالح، يُشكر صاحبه، لكنّه –أيضا- يُنبّه إلى أنّ السنّة ليست مقتصرة على بعض المظاهر، إنّما تشمل الأخلاق والدّعوة والمعاملة، ويُعلّم أنّ السنّة -كما القرآن- تحتاج إلى فهم وفقه، وأنّ حاجة السنّة إلى الفقه، لا تقلّ عن حاجة الفقه إلى السنّة.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
4
  • Karim

    أشك في أسيادهم الذين يعلمونهم فمثلهم مثل قادة داعش الذين يتقاضون رواتبهم من وكالة المخابرات الأمريكية والموساد.

  • مهاجر

    كتبت جميلا حتى ختمتها بغراف عصاد .... أما في ذكرك إصرار الشباب على بعض الأفعال مثل تحية المسجد بعد العصر و جلسة الاستراحة و و اسبال الثوب .... فقد غصت في غير فنك فاعرف انت أيضا النصوص و افقه معناها و لا تأول .

  • فؤاد

    لقد صدقت فيما قلت وقد رأيت بعيني من يسلم قبل الإمام فقط لأنه تشهد بعد سجود السهو وهو لا ستشهد واظن ان خير من ناقش هذا الموضوع الشيخ الغزالي في كتابه السنة بين اهل الحديث وأهل الفقه

  • جزايري حر

    لا أوافقك الرأي أستاذ بركاني فيما كتبته في هذا المقال ...
    فالسواك سنة ولا حرج في أن يتسوك المسلم قبيل الصلاة ولو في المسجد وفي الأمر سعة ، والفقه في الدين مطلوب والرفق واللين يكون بالتربية والصبر على الشباب ، والنضج يأتي مع الوقت ..
    أما معرفة البارئ جل جلاله ومايليق به من الأسماء والصفات فهو من أهم المعارف بل هو أول واجب على العبيد ، وهو من توحيد الله سبحانه على طريقة السلف بلا تكلف ولا كثرة خوض بخلاف المتكلمين ...
    وبارك الله فيكم.