-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
التقشف يُزلزل المُهور ويدفع الأعراش والأئمة إلى تسقيفها

إذا غلى “العُرس” أرخصه بالترك.. نهائيا

الشروق أونلاين
  • 16255
  • 0
إذا غلى “العُرس” أرخصه بالترك.. نهائيا

مُجبر أخاك لا بطل.. إنها حكاية الجزائريين، مع الحالة المالية المعقدة، منذ بداية سنة 2017، فالبذخ الذي عشناه في السنوات العشر الماضية، قد ولّى للأبد، والذي يحلم بزواج الزمن السابق، من حيث ماديته إنما سيحاول الانتحار، والأولياء الذين سيتمسّكون بمهور الـ50 مليونا، وما شابه ذلك فإنهم إما مجانين أو ضد بناتهم، وتحرّك الأئمة وأعيان الأعراش لأجل تسقيف المهور إنما لإعادة الجزائريين إلى روح الزواج المبني على الروح وليس على القشور كما حدث خلال سنوات البذخ والتبذير، حيث صار المال هو المتحكّم في زمام نصف الدين.

بعد أن صار البسطاء يشاهدون أفراحا، تقام في الفنادق الفخمة بعض أهلها من الموظفين الذين لا تزيد مرتباتهم الشهرية عن الخمسة ملايين شهريا، ومع ذلك يصرفون مئات الملايين وأحيانا الملايير، بما في هذا الرقم من معنى الثراء في أعراس أبنائهم ببذخ ليس له مثيل.

رجال الدين والأعيان لم يتوقفوا عند المهور، بل راحوا ينصحون ويقدمون فتاوى تعتبر استعمال الشماريخ المكلّفة ماليا، من تبذير إخوان الشياطين، فمن غير المعقول، أن تكون الشماريخ الممنوع استعمالها في الملاعب وحتى في مختلف المناسبات، ميزة هذه الحفلات التي حوّلت سماء القاعات، إلى ضياء، وقد كلّفت خمس دقائق من الألعاب حرق مائتي مليون سنتيم في أحد الأعراس.

يخنقون أنفسهم بالدَين من أجل “الفوخ والزوخ”

إذا كان من العرف الجزائري أن توجّه الدعوة للحضور شخصيا وحضوريا ويتنقل لأجلها صاحب العرس خصيصا إلى المدعو، وإذا كان من العرف أيضا خاصة في الأرياف، أن يبقى العرس مفتوحا لكل من يريد أن يفرح مع أصحاب العرس وتبقى الموائد مفتوحة أيضا للجميع خاصة للفقراء، وحضور الفرقة الغنائية إنما من أجل أهل الحي أو القرية، والبذخ في عمومه والإنفاق على العرس رغم ما فيه من تباه إنما هو موجّه لأبناء الريف جميعا الذين يتداولون ما حدث في هذه الوليمة أو تلك على مدار أيام السنة التي تلي الفرح، كل هذه الصور تغيرت مع أعراس بعض المليارديرات الجزائريين الذين يوجهون الدعوات عبر الانترنت في إمايلات للمطلوب حضورهم العرس الكبير، ويتلقون الرد عبر إمايلات هي من تحدد عدد الحضور حتى تكون الدعوة شخصية، يتم من خلالها تحديد نوعية وكمية الحاضرين، وفي غالب الأحيان اشتراط عدم اصطحابهم لأبنائهم، فتمر الأعراس غير طفولية وشبه رسمية، وتبقى الولائم شأن الكبار فقط، ولو تجرّأ أحد الحضور على اصطحاب ابنه فسيكون معرّضا للتهميش وربما للطرد.

 ولأن صاحب العرس مليارديرا فإن الحضور في عمومهم من المليارديرات ومن الأوزان الثقيلة في المجتمع، حيث يُصبح حضور بعض المدعوين صيدا ثمينا لصاحب العرس، الذي ينزوي بهم ويعقد رفقتهم الصفقات الكبرى التي لا يمكن أن يعقدها في المؤسسات والمكاتب، وتتحول بعض موائد العشاء إلى طاولة مستديرة لا أحد من حولها يلتفت إلى الأكل رغم فخامته، ولا أحد يهمه لباس العروس والعريس ولا أناقتهما، حيث ترتفع أدخنة السجائر والسيجار وترتفع الأرقام إلى ما فوق الملايير، ويتحول العرس إلى اجتماع مغلق وأشبه بالبنوك ومراكز البورصات، ويُصبح الأكل مستقره القمامة، والغناء فيه، من دون مستمع ولا راقص، ويتم تطويق الفيلات الفخمة التي تحتضن هذه الأعراس بالكلاب المدربة التي يرافقها رجال أشداء لا يسمحون بالدخول إلا للمدعوين لمثل هذه الأجواء التي يحاول عامة الناس تقليدها فيضربهم الإفلاس، هي التي حرّكت أصحاب الضمائر، فهتفوا بتغيير جذري للعرس الجزائري في سنة 2017 من المهر إلى شهر العسل.

 فحفلات المليارديرات الجدد، وليس القدامى المحافظين، صارت تجري في أجواء مختلطة وبعضها يكون ذا طابع غربي محض خليط بالخمور والإباحية وحتى صفقات الجنس الكبرى في حضور أجانب ومهاجرين يستعرضون آخر صيحات اللباس والإغراء أيضا، ويساعدهم المكان على ممارسة الصيد وحتى أكل ما في الشبكة من صيد.

يوجد إجماع لدى المجتمع الجزائري على أن أعراس مدينتي قسنطينة وتلمسان هما ثقافة بعينها، ويشارك الجميع في ذات الرأي الأجانب الذين حضروا واستحسنوا، بل وذهلوا لفخامة هذه الأعراس، فالأطباق القسنطينية والحلويات هي رحلة تاريخية مزيج بين الشرقي والأوروبي والتركي، بينما تبدو عروس تلمسان وكأنها أميرة ويلز في يوم زفافها أو أميرة موناكو.. ومع ذلك فإن المليارديرات الجدد كفروا بهذا التراث وطلبوا ما يأتيهم من الخارج من فساتين العروس والأطباق الفرنسية والسورية والتركية وحتى البلجيكية كما حدث في عرس أحد أثرياء قسنطينة الثري الذي كفر بالشخشوخة ومختلف الطواجن والقطائف والبقلاوة وحتى حلوى الجوزية المطلوبة في الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا، وقام بالتعاقد مع مؤسسة خاصة قدمت من أوروبا، تكفلت بإرسال طباخين قدموا الأطعمة الأوروبية، بعد أن أحضرت المستلزمات من أوروبا، وحتى الأطباق الغربية الغريبة، أما الحلويات فتم استيرادها بالكامل من أفخم محلات اسطنبول، حيث سافرت جوا من مطار كمال أتاتورك إلى مطار قسنطينة، والغريب أن معظمها لا يختلف عن الحلويات القسنطينية الشهيرة مثل الغروبية والباقلاوة.

 أما ملياردير ينحدر من جنوب البلاد، فقد أذهل الحاضرين ومعظمهم من عائلات رجال الأعمال بفستان ابنته العروس في ليلة العمر، فإذا كان غالبية الجزائريين يستأجرون فستان الفرح لليلة واحدة ويختلف السعر بين 1000 و2000 دج، وهو في غير متناول جميع العرائس فإن الملياردير البسكري قام بشراء الفستان، للاستعمال مرة واحدة، وتدسّه بعد ذلك العروس في خزانتها للأبد أو ترميه وهذا من صالونات باريس، وحريره من تصميم أشهر مصممي الحرير وهي مؤسسة كازول الفرنسية، ناهيك عن المجوهرات الفاخرة التي زينت العروس السمراء وكلها مستقدمة من محلات دبي وأبو ظبي وهي سلعة تكاد تكون مخصصة تقريبا لأثرياء وأمراء العالم، ناهيك عن أماكن شهر العسل، وهو ما جعل رفع سقف الأعراس إلى القمة، يقابله مطالبون بإعادته إلى القاعدة ومنه ما حدث مؤخرا في تلمسان وباتنة وتبسة، عندما أعلن كبار المنطقة مطالبهم الملحّة لأجل تسقيف المهور وكبح جماح حفلات البذخ والتبذير، وتدخل الأئمة والمفتون في الأمور، وصاروا يفسّرون الحديث النبوي الشريف، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، على أن الاستطاعة هي الصحة، وليس المال كما يتوهّم البعض الذين تركوا الزواج وربطوه بالمادة، وصارت البنات مثل الفساتين والمجوهرات تباع في المزاد العلني، وتثير الفتنة الاجتماعية بين رخيصة وغالية ماديا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!