إسلاميون يخذلون قضيتهم
عجزت كل القوى السياسية والجمعيات الدينية وغير الدينية المعتمدة في الجزائر، عن صياغة موقف عملي تنديدا بالإساءة لرسول الله عبر فيلم كان عبارة عن تحامل على نبي الإسلام، فيبدو أن رعب أمريكا سكن قلوب الجميع، فأعمى أبصارهم وأخرص ألسنتهم فلا التيار الوطني نطق ولا الديمقراطي سجل الحضور ولا التيار الإسلامي سعى لتغير منكر، في صورة أعطت الانطباع أن الأحزاب في الجزائر خارج مجال التغطية، وكأن مهمتها تقتصر على اللهث وراء المقاعد والمناصب، واقتسام الريع دون مهمة التأطير وقيادة الجماهير في هبّة لنصرة الرسول.
وعلى نقيض ما تشهده فاكسات قاعات التحرير من زحام وتفاعل خلال أحداث وطنية أو انشقاقات وصراعاتها الداخلية، احتجبت الأحزاب السياسية – بما فيها الإسلامية – وتسترت وراء بيانات نشرت على مواقعها الإلكترونية، في حين اكتفت بعضها بتصريحات هزيلة ردا على أسئلة الصحفيين، وفي وقت شهدت كل شوارع عواصم العالم العربي غضب المسلمين لله وللرسول قاطعت الأحزاب الإسلامية الشارع، وفضلت دخول منازلها عوض النزول لساحة المعركة التي يفترض أنها معركتها الأساسية، وهي التي تتخفى وراء المرجعية الدينية وتستغلها سجلا تجاريا للبيع والشراء تارة والتفاوض مع السلطة كلما أرادت ذلك.
فحركة مجتمع السلم التي شهد لها التاريخ أيام العز والمجد الذي كان يصنعه شيخها المؤسس المرحوم محفوظ نحناح، نصرة القضايا العربية والإسلامية، فواجه المرحوم نحناح هراوات الأمن في انتفاضة الأقصى الثانية، وهو يعاني من المرض، غير أن حمس بقيادة أبو جرة سلطاني هجرت ساحة الحدث، وخالفت الإخوان في مصر والمغرب وتونس، وبقية مكتوفة الأيدي دون تسجيل حركة لتأطير مناضليها وتحريك الشارع لنصرة الرسول، واكتفت ببيان نشرته على موقعها الإلكتروني، عبرت فيه عن “إدانتها الشديدة للتطاول على معتقدات المسلمين ونبيهم عليه الصلاة والسلام”، ودعت حمس الأمة العربية والإسلامية إلى التعبير عن رفضها واستيائها من هذه التصرفات، ومن دون أن تغضب هي أو تجهر باستيائها بالاعتماد على مناضليها وتحريك قواعدها، دعت الولايات المتحدة الأمريكية بسلوك “راق جدا” إلى توقيف عرض الفيلم ومحاكمة من وراءه.
وعلى درب حمس فضلت حركة النهضة تسجيل موقف من الإساءة للرسول وإن بادرت باكرا بالتعبير عن الغضب والإستنكار للفيلم المهين لمشاعر المسلمين، ودعت الجزائريين للتظاهر السلمي والحضاري احتجاجا على استفزاز المسلمين، فقد فضلت أن تترك المبادرة لغيرها ممن يرغب في التأطير والتنظيم للإحتجاج السلمي، فلم يظهر أبدا أثر لمناضلي النهضة أمس، لا في الصفوف الأممية ولا في الصفوف الخلفية في ولايات الجمهورية الـ48، مكتفية بالنضال عبر البيانات التي تعد أسلم طريقة للإحتجاج حسب مفهوم النضال في القاموس السياسي المعاصر للحركات الإسلامية.
حركة الإصلاح الوطني وعلى درب حليفيها في الجزائر الخضراء، قاطعت كل فعل من شأنه الشجب والإدانة العملية للإساءة للرسول على الطريقة التي شهدتها شوارع عواصم العالم العربي، وإن كانت حمس وشقيقاتها حافظن على ماء الوجه، بإصدار بيانات بلون سياسي فالإصلاح لم تراع هذا الجانب، وصمتت صمت الساكت عن الحق، كما أحجم صاحب السبق المتعدد في ساحة التشكيلات الإسلامية عبد الله جاب الله، زعيم جبهة العدالة والتنمية عن الشجب والاستنكار، وبدا الجميع ملتزم بمضمون التعليمة التي تحظر التجمهر في العاصمة ، فزادوا عليها وامتنعوا عن التظاهر والتجمهر بباقي ولايات الجمهورية، ولو تعلق الأمر بنصرة الرسول، وإسماع غضب الجزائريين لأمريكا وغيرها ممن يزعمون إعطاء الدروس في احترام الديانات والحريات.
جمعية العلماء المسلمين – التي طالما نظر إليها كحامي هوية الجزائريين – اكتفت ببعض التصريحات الهزيلة عبر بعض الصحف، ولم يكلف أعضاؤها أنفسهم مشقة صياغة بيان لينشر على موقعها الإلكتروني.
هذا الانسحاب الذي فضحه جو ربيعي معتدل أثار تساؤلات عن القضايا الأساسية التي يناضل الإسلاميون الجزائريون من أجلها والتي ليسوا مستعدين للتنازل عنها مهما كان الثمن.