إشعال فتيل الثورة بلسان عاجل عجول
تحول استجواب القيادي عاجل عجول من طرف الإدارة الاستعمارية، الذي ترجمه مؤخرا الأستاذ صالح لغرور، إلى وثيقة تاريخية مهمة، حيث يتضمن حقائق وشهادات تخص مراحل إشعال الثورة التحريرية بمنطقة الأوراس، تحت قيادة الشهيد البطل مصطفى بن بولعيد، ومن الجوانب التي تزيد في قيمة هذا الاستجواب الذي ترجمه مؤخرا الأستاذ صالح لغرور إلى العربية، هو قيمة ومكانة عاجل عجول كقيادي ومسؤول عن منطقة كيمل، كما يعد أحد النواب البارزين لمصطفى بن بولعيد.
أكد القيادي عاجل عجول في الاستجواب الذي خضع له من طرف الإدارة الاستعمارية، موازاة مع تسليم نفسه عقب المحنة التي مر بها الأوراس بعد مؤتمر الصومام، بأنه بدأ النشاط السياسي الوطني في بداية 1951، مؤكدا أنه لم يكن في ذلك الوقت أي نشاط سياسي في دوار كيمل، بينما كان في المناطق المجاورة مثل زلاطو وإشمول. كما لم يخف تأثره ببعض وجوه النضال، مثل إبراهيم حشاني ومسعود بلعقون والبقية، ما جعله بعد انخراطه يقف على عدة جوانب مهنة تخص الحركة الوطنية، وحضوره في ما بعد عدة اجتماعات مطلع 1954، وذلك في باتنة ثم قسنطينة والعاصمة.
مؤتمر العاصمة واجتماع تازولت مهدا للعمل المسلح
أوضح عاجل عجول في استجوابه للإدارة الفرنسية، والذي ترجمه مؤخرا الأستاذ صالح لغرور إلى العربية، بأن مؤتمرا الجزائر العاصمة الذي عُقد صائفة 1954 حمل موضوع “رفع إخواننا في المغرب وفي تونس السلاح، وعلى الجزائريين أن يفعلوا مثلهم”، وفي هذا الاجتماع أعلن شيحاني بشير موافقة الأوراس على المقترح، والكلام ينطبق على ممثلي منطقة القبائل، أما اجتماع تازولت شهر أوت 1954 فقد أعلن فيه مصطفى بن بولعيد المرور إلى العمل المسلح. وفي هذا يقول عجول: “وصلني استدعاء ثان من طرف مسعود بلعقون يطلب مني الذهاب إلى مزرعة بن بولعيد ب”لمباز”، فوجدت مسعود بلعقون وعباس لغرور وغمراس الطاهر بن نويشي وشيحاني بشير وبن بولعيد مصطفى وبوشمال أحمد من باتنة ومسؤول آخر أعتقد أنه خنطرة محمد.. وقد أعلن لنا مصطفى بن بولعيد في ما بعد على خيار الكفاح المسلح، حيث أعطى لنا أوامر سجلها فوريا شيحاني بشير: ”يجب أن تبحثوا المناضلين المستعدين لحمل السلاح، وتُكوّنوا خلايا ومجموعات وأفواج”.
شيحاني يجوب الأوراس لحشد وتحفيز المناضلين
من جانب آخر، كلف بن بولعيد نائبه شيحاني بشير بأن يجوب الأوراس لحشد وتحفيز المناضلين مع إلزامهم بكتمان السّر. وقال عاجل عجول: “بن بولعيد أكد لنا بأنه على كل مسؤول دوّار مساعدة شيحاني بشير في جولته التحسيسيّة قبل موعد العمل المسلح”. مضيفا: “أخيرا حدّد لنا بن بولعيد أنه عندما نكوّن الأفواج، وبأن ثلاثة أفواج تكوّن فوج ”ترعة”، في هذه الحالة يجب تدريب الرجال ليلا على حرب العصابات للحفاظ على سرية التحضيرات للعمل المسلح، حيث أن المخالف لذلك الحكم سيكون مصيره الإعدام”. وقال عجول بأن آخر أوامر مصطفى بن بولعيد هي: ”اشتروا السلاح والمتفجرات وخزنوها عند محمد الصغير تيغزة الساكن على بعد كيلومتر واحد من لمدينة على حدود دوار زلاطو”، واعترف عجول بأنه يجهل كيف تمكن هذا الأخير من تخزينها أو إخفائها.
القسم على المصحف وعدم إفشاء السر خلال اجتماع لقرين
ويشير عجول أنه تمكن من إنشاء ثلاثة أفواج في كيمل، يتكون كل فوج من عشرة أفراد ومقسّم إلى ثلاث خلايا مكونة هي الأخرى من ثلاثة أفراد، حيث عين قائدا لكل فوج وهم اوصيفي لخضر وبزقيل صالح وبايشي عبد الحفيظ، مضيفا أنه اختار القادة بناء على صفتهم كعسكريين قدامى وبناء على شخصيّتهم المتّزنة. وقال عجول في سياق آخر: “تلقّيت رسالة من غمراسي الطاهر بن نويشي في حوالي 18 أكتوبر 1954 يطلب مني التنقل إلى منطقة “لقرين” الواقعة في دوّار أولاد عمر بن فاضل، وبالضبط إلى بيت المسمى عبد الله بن مزيتي”. وأضاف في قوله: “ذهبت ووجدت شيحاني بشير وغمراس الطاهر بن نويشي وخنطرة محمد، وقد وصل في ما بعد مصطفى بن بولعيد مرفوقا بشيحاني بشير مسؤول الخروب، ثم وصل عباس لغرور”. وأكد عجول بأن بن بولعيد صرح بأداء اليمين بالقرآن كما فعل كل المجنّدين، وسيعلن عن خبر مهم جدا. ويقول عجول في هذا الجانب: “كنا جالسين على حصير.. فتح بن بولعيد المصحف ووضعه على الأرض وأدى اليمين هو الأول قائلا: لن أخون أبدا القضية الإسلامية la causeislamique ، وسيضحي حتى النهاية، ثم جاء دورنا واحدا تلو الآخر.. كما أقسمنا أن نطيع مصطفى بن بولعيد”. بعد ذلك أعلمنا بأن بداية انطلاق العمل المسلح سيكون يوم الاثنين أول نوفمبر 1954، وأقسموا مرة أخرى بعدم إفشاء السر لأي شخص بما في ذلك المجاهدين.
نقاش حاد بين بن بولعيد وشيحاني
وأكد عجول بأن بن بولعيد مصطفى أعلن بأنه سيتم الهجوم على باتنة، وفي نفس الوقت على وسط ”لمباز”، موضحا أن جزء أو مجموعة من رجال الطاهر بن نويشي سينجزون هذا الهجوم المزدوج. وفي خضم الحديث وقع نقاش حاد بين شيحاني بشير وبن بولعيد، هذا الأخير أراد أن تقوم مجموعة من المتمردين بالهجوم على سجن ”لامباز” لتحرير المساجين. لكن شيحاني عارضه شيحاني بشدة، مبررا بأن المساجين لم يتم تحضيرهم معنويا للمشاركة في العمل المسلح، وربما قد يكتفون بالعودة إلى منازلهم أو يتسببون في إزعاج أو مضايقة المجاهدين وبالتالي تشويه سمعة قضيتنا، في الأخير خضع مصطفى بن بولعيد، واتفق أن يقود القائد الحاج لخضر رجال الطاهر بن نويشي الذي عين للهجوم على باتنة. وقال عجول: “كلفني مصطفى بن بولعيد بالاتصال ب محمد الشريف سليماني وبن دايخة الصادق في دوّار زلاطو بان اخبرهم بان يبقوا على الدوام في منازلهم بغية تكليفهم بمهمة”، في الوقت الذي خاطب شيحاني بشير: ”سوف تذهب لتأخذ معك محمد الشريف وبن دايخة وتتجه إلى بريكة عند خنطرة محمد ثم تحدد لهم دورهم”. فيما يخص المسؤول بشير أعطى له بن بولعيد توصيات للهجوم على الخروب وإرسال كومندوس إلى عين مليلة وعين فكرون. وقد وضع بن بولعيد وبشير خطة لثكنة عسكرية في الخروب التي يقول عنها بشير ضعيفة الدفاع لأنها موقع عبور فقط.
هذه أبرز لحظات التجمع في دشرة أولاد موسى
وبخصوص اللحظات الأخيرة قبل اندلاع الثورة فقد أكد عجول أنه غادر كيمل يومين قبل عن الموعد (30 أكتوبر) متجها نحو إينوغيسن عند عبد الهادي عمار الذي كلفته في السابق بتوفير لباسcompagne وأحذية ”باتوقاز” وحاميات الساق des guêtres، وفي الطريق نحو غقالي مصطفى توقف أثناء السفر عند مسعود بن الصادق مداسي الذي سيرافقه بصفته مجاهد. وحينما كان عند هذا الأخير وصل عباس لغرور عباس في سيارة أجرة من خنشلة. وفي هذا الجانب قال عجول: “قررنا أن نلتحق معا بدشرة أولاد موسى باستعمال سيارة الأجرة. وجدنا المسمّى بعزي علي الذي كان مكلفا بالمراقبة، طلبت منه أن يوصلنا حالا ببن بولعيد مصطفى. كان بعزي حذرا ومتردّدا، وكان لزاما أن أقدم له عباس لغرور وتوضيح صفته حتى يقرر مرافقته إلى بن بولعيد الذي كان في بيت بعزي لخضر. أما أنا فقد التحقت ببيت ين شايبة مصطفى الذي وجدت فيه 40 مجاهدا واقفين في الفناء الكبير للبيت”. وفي فجر 31 أكتوبر 1954 كان الجميع حاضرا، ما يقارب 150 أو 160 مجاهدا. خلال الليل تم إيصال كل الأسلحة الألغام والذخيرة على ظهر البغال إلى منزل بن شايبة، حيث كانت في مشتة الحجاج تحت مسؤولية بعزي محمد بن لخضر. وقال عجول: “وصل كل من بن بولعيد وشيحاني بشير حوالي الساعة التاسعة عند بن شايبة مصطفى. فسّر لي بن بولعيد تأخره بأنه كان مجبرا للذهاب رفقة شيحاني إلى ”تيبيكاوين” عند أحمد بن ناجي، أين حدد موعد لمقاتلي الطاهر بن نويشي. ولاحظ بن بولعيد مصطفى أن عدد رجال الطاهر نويشي غير كاف خصوصا المجموعة التي كان مقررا أن تهاجم باتنة، فعززها بجزء من المجاهدين المجتمعين في دشرة أولاد موسى”، خصوصا أن رجال موسى رداح حسب قوله سيدعمون رجال لغرور عباس اللذين ذهبوا للهجوم على خنشلة. أضاف بن بولعيد مصطفى أنه سلم أسلحة ومتفجرات وذخيرة إلى لغرور الذي غادر ومعه المعدات بسيارته ”طاكسي” وقال له بان يهاجم خنشلة برجال المدينة في حال عدم وصول تعزيزات رداح موسى في الموعد. وقد قرّر بن بولعيد أخذ 30 شخصا من 150 أو 160 شخص من بين المقاتلين المجتمعين عند بن شايبة مصطفى وإرسالهم لدعم رجال الطاهر بن نويشي في باتنة.
بن بولعيد وشيحاني اتفقا أن تكون “خالد وعقبة ” كلمة السر
وخلال يوم 31 أكتوبر 1954 تكفل بن بولعيد رفقة شيحاني بتوزيع مختلف مجموعات “الكومندو” المكلفة بالهجوم دون معرفة أسمائهم. حيث قال عجول: “أعرف أن الأكثر قدرة والأكثر خبرة تم اختيارهم للهجوم على باتنة بقيادة عزوي محمد الصغير وبعزي علي”. وقد أخبر بن بولعيد القادة بأهداف الهجوم، أما المجاهدين العاديين فكانوا يجهلون كل شيء بما فيه أماكن الهجوم. وقال عجول: “كلفني بن بولعيد بتوزيع الذخيرة حيث سلمت لكل شخص 100 خرطوش المناسب لسلاحه. أما توزيع الأسلحة فقد تم في بيت مجاور. اختار بن بولعيد وشيحاني بشير كلمة السر وهي: “خالد عقبة” وأعلنوها للمقاتلين الذين كانوا كلهم بلباس مختلف بمظهر عسكري”. مضيفا أنه بالنسبة لمقاتلي الولجة من بين خمسة مقاتلين حضر اثنان فقط إلى اجتماع دشرة أولاد موسى، قال لهم بن بولعيد بعد أن سلم لهم سلاحين التحقوا برفاقكم الثلاثة بالولجة الذين لديهم سلاحهم الشخصي، وهاجموا جندرمة تابردقة، وإذا استحال ذلك قوموا بتخريب في المنطقة”.
هذه هي الأفواج التي كلفت بالهجوم على مواقع العدو
ويقول عجول أنه في مساء الأحد 31 أكتوبر 1954، ومباشرة بعد الغروب غادرت مجموعات الكومندوس التي يشرف عليها بادسي العايش مشيا على الأقدام في مهمة لتحطيم جسر يقع على بعد 3 أو 4 كلم من دشرة أولاد موسى ونصب كمين في الطريق مع إطلاق النار على كل مركبة تابعة للسلطات الفرنسية التي تمر بعد الساعة الواحدة صباحا. مجموعة أخرى مهمتها زرع قنابل في المكان المسمى تاغيت (طريق تكوت-آريس) وإطلاق النار على كل مركبة تابعة للسلطات الفرنسية التي تمر ابتداء من الساعة الواحدة صباحا. أما المجموعة الثالثة بقيادة بن عكشة بن اعمر فمهمتها تفجير الجسر المنجز في مدخل تكوت، ثم مهاجمة مركز الدرك الفرنسي. في حين المجموعة الرابعة بقيادة بن عكشة علي، فكان دورها دخول منجم الرصاص في إشمول للاستيلاء على المتفجرات وتحطيم المنشآت مع تجنب مهاجمة العمال إلا في حالة مقاومتهم،. في حين الفوج الخامس بقيادة مسعود عايسي مهمته الاتجاه نحو منزل “القائد” بن دريس في لمدينة (إشمول)، حيث يوجد موظف الضرائب لمدينة باتنة الذي يأتي لجمع الضرائب، وكل هذه العمليات يجب أن تنفذ بعد الساعة الواحدة صباحا. وقد أوصى بن بولعيد بإطلاق النار على مركبات ممثلي السلطات الفرنسية فقط وليس على المدنيين أو السياح، كما اعتزم اغتيال الشخصيات الجزائرية المعروفة بعمالتها لفرنسا. بعد مغادرة المجموعات الخمس، بقيت مجموعة من الرجال من دواوير كيمل وزلاطو وإشمول مسلحين ببنادق صيد وبعضهم دون سلاح. قسمهم بن بولعيد إلى ثلاث مجموعات مهمتها التخريب وقطع الطرق وخطوط الهاتف. هذه المجموعات جهزت بمعاول وبالمناشير.
بن بولعيد ومرافقوه مكثوا في جبال زلاطو طيلة نوفمبر 54
ويؤكد عاجل عجول أنه بعد حوالي الساعة الحادية عشرة من ليلة 31 أكتوبر إلى 1 نوفمبر 1954، غادر الرجال المتوجهين لدعم باتنة. مستغلين عربة كبيرة لصاحبها بالة بن قبوج الساكن في تبردقة، كما استعمل سيارة 203 النفعية لبن شايبة فرحات يقودها هو شخصيا. الإمدادات الموجهة إلى باتنة كانت بقيادة عزوي محمد الصغير وبعزي علي. اجهل كيف سيتم الربط بين هذا الإمداد ورجال الطاهر بن نويشي بقيادة عبيدي الحاج لخضر. وقال في هذا الجانب: “غادرت رفقة بن بولعيد مصطفى وشيحاني بشير وبوستة مصطفى وعزوي مدور ومعاش عمر المدعو ”مارشي نوار” مشيا على الأقدام في اتجاه تافرنت أولاد عيشة، حيث وصلنا فجرا. بقينا طيلة يوم الاثنين 1 نوفمبر 1954 في الغابة. وقد شغّل بن بولعيد وشيحاني الراديو لسماع الأخبار الخاصة بأحداث الليل، وفهمت من خلال كلام بن بولعيد وشيحاني أنه كان غاضبا لكنه تظاهر بالاطمئنان”. مضيفا بالقول: “فهمت أن بن بولعيد وجد أن الهجمات نفذت باستحياء ولم تكن كما كان يتمنى، كما هناك ارتداد خطير من جماعة بريكة، وجماعة ”وسط آريس” من طرف نواورة ومسعود بلعقون. هناك أيضا ارتداد آخر: ببيت “القايد” بن دريس في لمدينة (إشمول) الذي لم يتم الهجوم عليه وبالتالي الأموال التي جمعها قابض الضرائب لم يتم استرجاعها”.
وحسب مضمون محضر استجواب عاجل عجول من طرف الإدارة الاستعمارية الذي تحصل عليه الأستاذ صالح لغرور وترجمه إلى العربية، فإن بن بولعيد ومرافقيه مكثوا طيلة شهر نوفمبر 1954 بعيدا عن الأضواء، حيث تحولوا من جبال تافرنت بأولاد عيشى (بين بوصالح وتيغانمين) نحو جبال زلاطو (تكوت وشناورة)، وذلك بين مرتفعات بوستة وأذرار الهارة وتافرنت، إلى غاية قرار بن بولعيد بالتوجه نحو تونس وليبيا لتعزيز الثورة بكمية إضافية من الأسلحة.