-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إصلاح تربوي واعد لمدرسة جزائرية أكثر توازنًا

عومر بن عودة
  • 85
  • 0
إصلاح تربوي واعد لمدرسة جزائرية أكثر توازنًا

إن المنظومة التربوية الجزائرية تقف اليوم أمام محطة مهمة في مسار تطوير المدرسة الوطنية، وإذ أبارك عاليا الإرادة التي أبدتها الدولة، ومن خلالها وزارة التربية الوطنية، للانطلاق في إصلاحات تستهدف تجويد التعليم وتحسين نوعية التعلمات، وإعادة تنظيم الأطوار التعليمية والبرامج بما يتلاءم مع حاجات المتعلم ومتطلبات المرحلة، فإني أعتقد أن الإصلاح التربوي الحقيقي لا ينبغي أن يُقاس بحجم التغييرات التي يحدثها فقط، وإنما بقدرته على إنتاج مدرسة أكثر فعالية وأكثر توازنًا وقدرة على بناء شخصية المتعلم.

ومن هذا المنطلق، أرى أن تعزيز مكانة اللغة العربية يمثل أحد العناصر المهمة في تحقيق هذا التوازن، فاللغة العربية ليست مجرد مادة دراسية ضمن البرنامج، وإنما هي لغة وطنية ووعاء للهوية والثقافة، وأداة أساسية في بناء الكفاءات المعرفية والتواصلية للمتعلم.

ولذلك، أدعم كل توجه إصلاحي يسعى إلى تعزيز حضورها داخل المدرسة الجزائرية، وأدعو في الوقت نفسه إلى ضرورة تدارك معاملها في المتوسط والثانوي، لاسيما شعبتي الرياضيات والهندسة في السنة الثالثة ثانوي، بما يضمن حضورًا أكثر توازنًا للغة الوطنية في مختلف الشعب والتخصصات.

وهذا الطرح لا يتناقض إطلاقًا مع سياسة الانفتاح على اللغات الأجنبية، بل أرى أن المدرسة الجزائرية مطالبة بالجمع بين ترسيخ الهوية اللغوية والانفتاح على اللغات العالمية، فامتلاك اللغات الأجنبية يمثل رصيدًا معرفيا وعلميا مهما، لكن الانفتاح الحقيقي لا يعني إضعاف اللغة الوطنية، وإنما بناء منظومة لغوية متوازنة تجعل التلميذ متمكنًا من لغته، وقادرًا في الوقت ذاته على التواصل والاستفادة من اللغات الأخرى.

وفي الإطار نفسه، أعتبر أن الإجراء المتعلق بتدريس اللغة الفرنسية يمكن أن تكون خطوة بيداغوجية إيجابية إذا انطلقت من خصائص المتعلم وحاجاته النمائية، وأعتقد أن من مصلحة التلميذ تأجيل تدريس الفرنسية إلى السنة الأولى من التعليم المتوسط، مراعاة للمرحلة العمرية والنمائية للطفل وقدرته على الاستيعاب وبناء التعلمات بصورة تدريجية.

فالسنوات الأولى من التعليم تمثل مرحلة تأسيسية شديدة الأهمية يحتاج فيها الطفل إلى بناء متين في التعلمات الأساسية، وإلى اكتساب المهارات الأولية بصورة مستقرة ومتدرجة.

ومن ثم، فإن تخفيف العبء اللغوي في هذه المرحلة قد يتيح له مساحة أكبر لترسيخ مكتسباته الأساسية، قبل الانتقال إلى تعلم لغة أجنبية في مرحلة عمرية ومعرفية أكثر استعدادًا لذلك.

وأؤكد هنا أن ملاحظتي لا تنطلق من موقف سلبي تجاه اللغة الفرنسية وإنما من اعتبار بيداغوجي يتعلق بتوقيت التعلم وترتيب الأولويات التعليمية، فالنجاح في تعليم اللغات لا يرتبط فقط بعدد سنوات تدريسها، وإنما أيضًا بمدى ملاءمة توقيت إدراجها للمرحلة النمائية للمتعلم، وبنوعية المناهج والطرائق والوسائل المستخدمة.

أما ما أثير بشأن الفلسفة في التعليم الثانوي، فأرى أن من المهم توضيح الأمر بعيدًا عن القراءات غير الدقيقة، فالفلسفة لم تُلغ من التعليم الثانوي، وإنما أُعيد تنظيم موقعها ضمن الطور ذاته، حيث تُدرّس في السنة الثانية ثانوي بدل السنة الثالثة، ومن الناحية البيداغوجية، أرى أن هذا التعديل يمكن أن يحمل آثارا إيجابية، خصوصًا من حيث إعادة توزيع العبء الدراسي على سنوات التعليم الثانوي.

فالسنة الثالثة ثانوي لها خصوصيتها باعتبارها سنة التتويج بامتحان شهادة البكالوريا، وهي مرحلة يواجه فيها التلميذ ضغطا معرفيا ونفسيا وتنظيميا كبيرًا، ولذلك، فإن توزيع بعض التعلمات والمواد على السنة الثانية قد يسهم في تحقيق قدر أكبر من التوازن، ويمنح تلميذ السنة النهائية ظروفًا أفضل للتحضير لامتحان شهادة البكالوريا من دون أن يعني ذلك التقليل من قيمة الفلسفة أو مكانتها الفكرية والتربوية.

ومن خلال هذه الإصلاحات وغيرها، أرى أننا أمام محاولة لإعادة بناء التوازن داخل المنظومة التربوية، سواء تعلق الأمر بتوزيع المواد أو تنظيم الأطوار أو تخفيف الضغط الدراسي أو مراجعة بعض الاختيارات البيداغوجية واللغوية، وهذه كلها مؤشرات تستحق الدعم والمساندة، لأنها تعكس وجود إرادة للانتقال من معالجة الاختلالات بصورة ظرفية إلى بناء تصور أكثر شمولًا للمدرسة الجزائرية.

لذا أعتبر أن نجاح هذا المسار الإصلاحي سيظل مرتبطًا بقدرته على الجمع بين الرؤية الاستراتيجية والتدرج البيداغوجي والتقييم العلمي المستمر، فالإصلاح ليس قرارًا ظرفيا، وإنما عملية مؤسساتية طويلة المدى تحتاج إلى تقويم دوري، وقياس فعلي لأثر التعديلات على التحصيل الدراسي، ومراجعة مستمرة للمناهج، وتطوير نوعية التكوين الموجه للأساتذة ومختلف الفاعلين التربويين.

كما أن جودة المدرسة لا تُبنى بالبرامج وحدها وإنما بمنظومة متكاملة تشمل المناهج، التكوين، الوسائل التعليمية، الممارسة الصفية، التقويم، البيئة المدرسية، الرقمنة، ومرافقة المتعلم.

ولذلك، فإن الإصلاحات الجارية ينبغي أن تتواصل بروح مؤسساتية هادئة، وأن تُمنح الوقت الكافي حتى تظهر نتائجها مع الاستعداد الدائم للتقويم والتصحيح، حيث تقتضي الضرورة.

في الأخير أبارك التوجه العام نحو إصلاح المنظومة التربوية وتجويد المدرسة الجزائرية، وأعتبر أن المرحلة الحالية فرصة لإرساء مدرسة أكثر توازنا، وأكثر قدرة على الاستجابة لحاجات التلميذ، وأكثر انسجاما مع التحولات العلمية والمجتمعية.

والهدف في النهاية يجب أن يبقى واضحا: بناء مدرسة جزائرية قوية في هويتها، منفتحة على العالم، متوازنة في اختياراتها، عصرية في أدواتها، فاعلة في بناء الإنسان الجزائري القادر على صناعة المستقبل.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!