-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

إصلاحات تصنع التحول في “المدرسة الجزائرية الجديدة”

عومر بن عودة
  • 68
  • 0
إصلاحات تصنع التحول في “المدرسة الجزائرية الجديدة”

يُنظر اليوم إلى الدكتور محمد الصغير سعداوي باعتباره أحد الوجوه التي حاولت إضفاء نفس جديد على قطاع التربية الوطنية، من خلال الجمع بين الاستقرار المؤسساتي، والتحول الرقمي، وإعادة بعث إصلاح المناهج، في مرحلة دقيقة تعرف فيها المدرسة الجزائرية تحديات متعددة مرتبطة بالجودة، والرقمنة، والتحولات الاجتماعية والمعرفية. وقد جاءت بصمته في سياق سعي الدولة الجزائرية لبناء مدرسة أكثر حداثة وفعالية، قادرة على تكوين مورد بشري مؤهل لمتطلبات المستقبل.

ومن أبرز ملامح هذه البصمة، الرهان القوي على الرقمنة باعتبارها أداة لتحقيق العدالة التربوية والشفافية الإدارية. فقد أكد الوزير في أكثر من مناسبة أن “التحول الرقمي” لم يعد مجرد خيار تقني، بل أصبح مدخلا أساسيا لتطوير المنظومة التربوية وتقليص الفوارق بين التلاميذ. وخلال الندوة الوطنية لتقييم التحول الرقمي في قطاع التربية الوطنية، شدد سعداوي على ضرورة تسريع وتيرة الرقمنة وربطها بجودة التعليم وتحسين الخدمة العمومية.

وقد تجسد هذا التوجه ميدانيا من خلال توسيع استخدام المنصات الرقمية الخاصة بالتسجيلات، فضاءات الأولياء، متابعة النتائج، تحويل التلاميذ، تسيير الموارد البشرية، إضافة إلى رقمنة المسابقات الوطنية بشكل كامل، وهو ما اعتبره الوزير خطوة لتعزيز الشفافية وتكافؤ الفرص بين جميع المترشحين.

كما ارتبط اسم سعداوي بإعادة بعث ملف إصلاح المناهج الدراسية، خاصة في الطور الابتدائي، حيث أعلن أن اللجنة الوطنية لجودة التعليم أوشكت على استكمال مراجعة البرامج والمناهج بما يتماشى مع التحولات العلمية والمعرفية الحديثة. وتركز هذه الإصلاحات على الانتقال من التعليم القائم على الحفظ والتلقين إلى تعليم يرتكز على الكفاءات وتنمية التفكير والتحليل والابتكار لدى المتعلم.

وفي هذا الإطار، أكد الوزير أن الإصلاحات الجديدة تهدف إلى “تطوير البرامج والمناهج التربوية وتكييفها مع المناهج العالمية، مع الحفاظ على الهوية الوطنية وأصالة المجتمع الجزائري”. وهو تصريح يعكس محاولة تحقيق التوازن بين الانفتاح على المعايير الدولية وبين حماية المرجعية الوطنية والقيم الثقافية للمجتمع الجزائري.

ومن الشواهد الدالة على توجه الوزارة نحو مدرسة أكثر جودة، الاهتمام المتزايد بتكوين الأساتذة وتحسين التأطير البيداغوجي، حيث شدد سعداوي على ضرورة دعم التكوين المتخصص للأساتذة والمعلمين داخل مدارس التكوين العليا، معتبرا أن نجاح أي إصلاح تربوي مرتبط أساسا بكفاءة المورد البشري.

كما برزت بصمة الوزير في طريقة تسيير القطاع، إذ اتجه نحو تكثيف اللقاءات التشاورية مع مديري التربية والنقابات ومختلف الفاعلين في المنظومة التربوية، في محاولة لترسيخ ثقافة الحوار والتشاور بدل القرارات المنفردة. وقد ساهم ذلك في خلق قدر من الاستقرار داخل المؤسسات التربوية خلال المواسم الدراسية الأخيرة، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بالامتحانات الرسمية والدخول المدرسي.

وفي الجانب التنظيمي، عملت الوزارة خلال عهد سعداوي على التحضير المبكر للدخول المدرسي والامتحانات الوطنية، مع اعتماد آليات أكثر صرامة في التنظيم والتأمين. وقد انعكس ذلك على تحسين ظروف إجراء امتحاني شهادة “البيام” والبكالوريا، سواء من حيث التأطير أو الرقمنة أو الخدمات المرافقة للمترشحين.

وتبرز ضخامة الجهود المبذولة إذا ما استحضرنا حجم المنظومة التربوية الجزائرية، التي تضم أكثر من 11 مليون تلميذ، وحوالي مليون موظف، وما يقارب 30 ألف مؤسسة تربوية موزعة عبر مختلف ولايات الوطن، وهو ما يجعل تسيير القطاع تحديا وطنيا حقيقيا يتطلب إمكانات بشرية ومالية وتنظيمية ضخمة.

ومن الأمثلة العملية على التحول الذي يشهده القطاع، الانتقال التدريجي من الإدارة الورقية إلى الإدارة الرقمية، حيث أصبح بإمكان الأولياء متابعة المسار الدراسي للأبناء إلكترونيا، والإطلاع على النتائج والوثائق المدرسية والخدمات الإدارية عن بعد، وهو ما ساهم في تقليل الضغط الإداري وتحسين التواصل بين المدرسة والأسرة.

كما يُحسب للوزير تركيزه على البعد القيمي والوطني في الإصلاح، إذ كثيرا ما ربط جودة التعليم بضرورة الحفاظ على الشخصية الوطنية وترسيخ قيم المواطنة والانتماء داخل المدرسة الجزائرية، معتبرا أن المدرسة ليست فضاءً للتعليم فقط، بل مؤسسة لصناعة المواطن الواعي والمتوازن.

وعموما، فإن بصمة معالي الوزير الدكتور محمد الصغير سعداوي يمكن تلخيصها في محاولة الانتقال بالمدرسة الجزائرية من مرحلة التسيير التقليدي إلى مرحلة الحوكمة الرقمية والجودة التربوية، مع السعي إلى بناء منظومة تعليمية أكثر استقرارا، وأكثر قدرة على مواكبة تحديات العصر، من دون التفريط في الثوابت الوطنية والبعد القيمي للمدرسة الجزائرية.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!