إطارات في الدولة وأئمة.. منسيون في دور العجزة
افتقدوا الرعاية الصحية والتكافل الاجتماعي، ونحن في شهر الرحمة والغفران، وأكل الدهر وشرب من صحتهم ليترك بصمات دامغة من الحزن والاكتئاب، والإحساس بالظلم والوحدة، تعابيرها رسمت على أخاديد وتجاعيد أمهات موزعين عبر ديار الشيخوخة بالعاصمة، في حين يتواجد آباء مستقرين عقليا، معوقين حركيا، مكفوفين، ومتعددي الإعاقة يجتمعون تحت سقف دار الأشخاص المسنين والعجزة بباب الزوار.
“البارح كان في عمري عشرين واليوم في دار الشيخوخة” تلك حالة أكثر من 188 نزيل غمرتهم رحمة الغرباء والمحسنين وفاعلي الخير، ولمت شملهم دار المسنين بباب الزوار، يتقاسمون الأفراح والمواسم الدينية مجتمعين بعيدا عن دفئ العائلة والأبناء، كل هذا نتيجة قسوة الأقرباء وجحودهم، بل لامبالاة بعض الأبناء الذين يرفضون زيارة ذويهم حتى عند مرضهم، يعانون من أمراض نفسية نتيجة الصدمة ويشعرون بالإحباط لتخلي ذويهم عنهم، وآخرين “أس دي أف” بدون مأوى تجاوزوا عتبة الستين عاما، ونحن في الشهر الفضيل “الشروق” ارتأت الوقوف عند شريحة من المجتمع المنسية، لتذكير ذوي القلوب القاسية بمعاناة من سهروا لأجلهم وتعبوا لأجل تربيتهم، فاخترنا دار الأشخاص المسنين والمعاقين بباب الزوار.
عقارب الساعة تشير إلى العاشرة والنصف صباحا، لنعيش سويعات قليلة من يوميات آباء خلال شهر رمضان، أنزلوا في دار العجزة بعد أن أفنوا شبابهم في خدمة وتربية الجيل الصاعد، دخلنا المركز وتجولنا في أرجائه محطتنا الأولى كانت حديقة جميلة بأشجار وبساتين تزين مدخل دار المسنين، تخفي بقلبها مأسي آباء يجلسون على كراسي حجرية، سكوت رهيب بينهم بالرغم من جلوس كل فرد إلى جانب الأخر، أجسادهم موجودة وأذهانهم شاردة خارج أسوار الدار، تأملنا وجوههم الشاحبة فكانت أعينهم ممتلئة بالدموع تبرق من الحزن والأسى، والكآبة والإحساس بالظلم والوحدة القاتلة صنعت فعلتها، حكاياتهم مختلفة وقصص ربما لو لم نعاينها بأنفسنا لاعتبرها القارئ من نسج الخيال، أسئلة كثيرة راودتنا من هؤولاء؟ أين ذويهم؟ كيف وصلوا إلى هذه الحالة؟ كيف يعيشون واستفهامات كثيرة حاولنا إيجاد إجابة لها؟ لكن في استطلاعنا هذا سنلخصها لنخصص لكل يوم قصة نزيل بدار الشيخوخة.
خدمته في سلك الأمن أفقدته صوابه وتركته طريح دار العجزة
عمي”ق.م” يبلغ من العمر 69 سنة، ناداه المكلف بالمصلحة التقنية “كمال قحام” لندردش معه جلسنا بجانبنا، طلبنا منه الحديث عن حالته، قصته المأساوية كانت مقتضبة ممزوجة بالشرود والسرحان والسرد بين الفينة والأخرى، استقينا من حديثه أنه كان إطارا مهما في سلك الأمن العسكري، لكن بقائه أعزب جعله يتحمل عواقب الوحدة باعتباره بدون مأوى، وتم تبنيه من طرف والده الذي فارق الحياة وتركه وحيدا، لكن فقدانه لجزء من صوابه الذي استطاع مقاومته بالعناية والعلاج الذي يخضع له تحت إشراف الأطباء والممرضين النفسانيين بدار المسنين، بعد أن تعرض لصدمة وضغوطات نفسية بسبب تنزيل رتبته المهنية، اليوم صحته تتماثل للشفاء وبدأ يتذكر ماضيه المؤلم، سنورد تفاصيل قصته الكاملة على لسانه في أعداد لاحقة.
منصور جسد بدون حراك ويحتاج لأربعة ممرضين لتنظيفه
أما عمي”ت.م.منصور” من مواليد 1962 مقيم بدار المسنين منذ أكثر من 8 سنوات مضت، رحب كثيرا بوجودنا، كان على عكس باقي النزلاء المتجولين بأرجاء الدار، والجالسين بالحديقة كان يرقد في فراش بين أربعة جدران انسيه التلفاز وموسيقى الهاتف النقال، جسده يشبه الأموات على قيد الحياة، كون عيناه وفمه من تتحركان دون باقي أعضاء الجسم المشلول كليا، يخضع لعناية طبية مكثفة كونه يعاني من مرض مجهول الداء والدواء، لا يقوى على تحريك ولو جزء بسيط من جسمه، مما يضطر المشرفين على حالته التكفل بأكله وشربه ومغسله، زوجته الأولى توفيت بنفس الإصابة، قال لنا “رزقت بفتاة اعتبرها نور عينايا تزوني مرة في الأسبوع، لتحسسني بالاهتمام والرعاية، رفضت الذهاب معها كون حالتي جد حرجة ولا تقوى لوحدها التكفل بي، كما تشاهدين لا بد من أربعة رجال على الأقل لتنظيفي وتغيير ملابسي”، فبالرغم من الإصابة والمصيبة إلا أن الابتسامة كانت مرسومة على وجهه.
إمام يحفظ 60 حزبا ومشيئة الله جعلته مقعدا بدار العجزة
كان يجلس على كرسي متحرك وجهه ينبعث منه النور إنه عمي”سليمان” إمام سابق بإحدى مساجد العاصمة، غير متزوج بدون عائلة سوى أبناء الأعمام الذين يتفقدونه بين الفينة والأخرى خلال المناسبات والأعياد الدينية، وجد نفسه مقعدا على كرسي متحرك، تكلف به دار الأشخاص المسنين، يساهم في أداء صلاة التراويح جماعة ويصحح الأخطاء للإمام المقرئ، يعيش حالة من الاستقرار ومؤمن بمشيئة وقضاء الله وقدره، حدثنا عن حالته بكل ارتياح وبالعناية التي يلقاها من المشرفين على الدار.
قصص لا تزال كثيرة ومؤثرة، يتقاسمها من لا مأوى لهم، والمقطوعين من شجرة العائلة حالتهم الاجتماعية مزرية، تكفلت بهم وزارة التضامن الاجتماعي، مثلما هي حال دار الأشخاص المسنين بباب الزوار، التي تضم64 غرفة تستوعب من شخصين إلى ثلاثة أشخاص، أعمارهم بين متباينة من 20 إلى 81 سنة فما فوق، معاقين ومكفوفين وأصحاب أمراض عقلية وآخرين يتمتعون بالسلامة، وأما حالاتهم الاجتماعية فكانت بين العزاب، المطلقين والأرامل، يوفر لمهم المركز وجبات غذائية، لكن هناك من لايستطيعون الصوم لإصابتهم بأمراض مختلفة ومزمنة، فيجبرون على الإفطار من طرف المشرفين على حالتهم الصحية، حياتهم عادية لتوفر المركز على مرافق ترفيهية، من حيث إحياء الحفلات الفنية والدينية، وقاعة للتدليك ومصلحة للاستعجالات الطبية، وكذا كشك لبيع مختلف الأطعمة والمشروبات، ضف إلى ذلك تشجيعهم على أداء صلاة التراويح جماعة في ساحة الدار يقيمها إمام معتمد من الوزارة الوصية.