إنها الفتنة.. فأين العقلاء؟
أكبر أكذوبة ونفاق في هذا كله هو من سمّى هذا الدمار والخراب ربيعا، حتى يستدرج الشعوب المتعطشة للحرية والتي لازالت لم تدرك معناها الحقيقي، بل هو “سراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا”، واستفاق من حلمه بعد أن حوّل بلده إلى دمار.
لست مع الخنوع والخضوع للدكتاتورية، لكن الحرية لا تأتي بتخريب الأوطان، لأن تخريبها يعني مزيدا من التبعية ومزيدا من الذل والإذلال ونهب الخيرات والثروات بألف ذريعة.
.. الحكماء والعقلاء الذين تسأل أين هم، هم من أشعل الفتنة وصبّ الزيت على النار، والمثل يقول: “عيب البلاد على رجالها”، والمقصود برجالها هم كبار القوم أي العلماء ورجال السياسة المقتدرون والمثقفون ودورهم في التنوير والتحكيم، ونشر ثقافة التسامح وقَبول الآخر مهما كان رأيه أو لونه أو دينه، لأن ذلك تركيب حيوي في ذهنية المسلمين.
فمن العيب أن نرى هؤلاء الكبار يتناطحون وجها لوجه في القنوات بطريقة مخزية، فماذا عسانا ننتظر من البسطاء وقد غابت القدوة وأصبحت مختلف الجرائد والقنوات تسوّق “للرخس” دون مسؤولية.
.. كم نحن بحاجة لثورة وعي، فالشعوب العربية من دكتاتورية الحزب الواحد إلى هذه الفوضى العارمة التي نعيشها بتضرع وآسى وكأن أطفال يحكموننا لا عقلاء!
.. هناك غباء سياسي يتمحور حول التوريث الذي يكون مباشرة نجل الرئيس المتوفى ووصول الغبي إلى الحكم عندما يكون نائبا للرئيس، فبمجرد رحيل الزعيم يكون الكرسي واسعا له وأن مكانته لم يصل إليها إلا بالطاعة العمياء لسلفه وثالثا ظهور ثورة كالربيع، يكون المجتمع يعيش يأسا وإحباطا فيقبلون بأي كان.
…. هذه بعض الردود والتعليقات على عمود “آه يا ربيع يا عربي”، وهي مجرّد نماذج فقط للآهات والأوجاع التي تسكن دواخل وشرائح واسعة من فئات العرب والمسلمين.
إن ما تعيشه أقطاب عربية، يُدمي القلوب ويُدمع الأعين، ومهما كانت الأسباب والمبررات والأهداف، فإنه لا يحقّ لأيّ طرف أن يدمّر بلده ويشعل النار في وطنه، وفي كلّ الحالات، هو صراع على السلطة، ومن أجل الموت فوق الكرسي أو الموت من أجل الوصول إليه، فلا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم.
قد يكون شهر الصيام والقيام، فرصة جديدة لتضع “الحرب” أوزارها بين الأشقاء الفرقاء، فيتوقف الدمّ وينتهي الهمّ والغمّ، وبدل أن تـُدمّر البلدان، يُعاد ربط حبال البناء والتشييد وإعطاء كلّ ذي حقّ حقه.
لا داعي يا جماعة الخير، للتخوين والتجريم، والتحريض على التعفين وسفك دماء الأبرياء والعزل، ولا داعي للنقاشات البيزنطية والصراعات الجوفاء التي لا تنتهي إلاّ عند الطريق المسدود.
إن ما يجري في مصر وسوريا وتونس وليبيا، عليه أن يكون حافزا لإعادة ربط أواصر الأخوّة والوحدة والحوار، حتى لا يضيع الجمل بما حمل، وحتى لا يكون الغد أسوأ من اليوم والعياذ بالله!
نعم، إن هذه الحروب التي تـُدار أحيانا بالوكالة، وتـُسيّر أحيانا أخرى بالتليكوموند، وتـُحرّك في كثير من المرات بمهماز غمّاز لمّاز، ستنتهي إن آجلا أو عاجلا بعيدا عن نظرية الغالب والمغلوب والرابح والخاسر، لكن الدولة المعنية بالمخطط والمؤامرة ستكون أسفل السافلين.. والفتنة أشدّ من القتل.