ابتكار أمن للدولة من حروب الجيل الرابع
ما لم تكن إعادة هيكلة مديرية الأبحاث والأمن (دي إير إيس) محض إجراء وقائي لحماية فريق الرئيس، وتأمين استحقاق الرئاسيات القادمة كما يدعي خصوم الرئيس، فإن الخطوة الإصلاحية المرتقبة والمرجوة تكون بإعادة صياغة المنظومة الأمنية لتحقيق أمن الدولة والمجتمع بدل أمن النظام، مشفوعة بنصيحة الخليفة عمر بن عبد العزيز لأحد عماله” أمن مدينتك بالعدل ونظف شوارعها من الظلم”
لا شيء كان كاشفا للحالة الصحية المزرية لمكونات المشهد السياسي والإعلامي مثل الشهور الخمسة الماضية، وابتعاد رئيس الجمهورية عن الواجهة بدواع صحية كانت أقرب إلى تحقق حالة الفراغ الدستوري، استفاقت خلالها بعض رموز المعارضة من داخل مؤسسة الحكم ومن المعارضة للتهارش الفاضح على الغنيمة المرتقبة حالما يشغر موقع المرادية بصورة رسمية.
ثم لا شيء كان فاضحا لحالة الضعف والهوان، التي لحقت بشخوص القوى المعارضة داخل النظام وفي أطرافه، مثل القرارات الأخيرة التي اتخذها الرئيس، سواء على مستوى إعادة هيكلة مديرية الأبحاث والأمن (دي إير إيس) أو في التعديل الواسع للحكومة.
.
من وحي “الحناجر العميقة”
الذين تابعوا في الأشهر القليلة الماضية فصول الهرج والمرج داخل المشهد السياسي والإعلامي، واستشرافاته الحمقاء لما بعد توديع الرئيس بوتفليقة، يكون قد أصيب بالذهول أمام الحالة المزرية التي صارت إليها مكونات المشهدين السياسي والإعلامي بعد أكثر من عقدين عن ميلاد تعددية دستور 89 .
وبقدر ما كان الخوض في مرحلة ما بعد رحيل الرئيس قد اعتمد بالكامل على ما كانت تسربه بعض “الحناجر العميقة” من داخل أو من المحيط القريب من المؤسسة الاستخباراتية، فإن التعليق على القرارات الأخيرة للرئيس تكفلت به نفس الأوساط، تحديدا على أعمدة الصحافة الوطنية الخاصة الأكثر قربا من مركزي القرار بداخل النظام، فيما غابت شخوص المشهد السياسي عن المشهد، وقد أصيبت بما يشبه التخشب والشلل التام، وتعطلت عندها آلة التفكير والتحليل بدم بارد.
“النظام تمرس منذ عقود على إدارة صراعاته خلف الستار، يتحاشى قدر الإمكان إلحاق أي إهانة بمكوناته الأساسية، حتى حين تسحقها متطلبات إعادة توزيع الأوراق داخل النظام لصالح بقاء النظام”
مبدئيا توزعت ردود الأفعال والتحليلات على ثلاثة اتجاهات، ما بين مهول ومهون، وفريق وقف بحذر بين المنزلتين، يترقب انقشاع الضباب، واتضاح الصورة بعد حين.
الطرف المهول استبق الأحداث، وذهب حد توصيف إعادة الهيكلة لمديرية الأبحاث والأمن (دي إير إيس) على أنها عملية تفكيك للمؤسسة، قلمت أظافر جهاز كان يوصف بـ”الدولة داخل الدولة” ويقال عن رئيسه، الفريق مدين المدعو توفيق، أنه “صانع الملوك والحاشية” في آن واحد، قد تجمعت بيده سلطات تحاكي ما كان لجعفر البرمكي زمن هارون الرشيد، أو لمازران و تاليران مجتمعين في أوج حكم عائلة البوربون، ثم لم يستبعد هذا الطرف أن يكون الرئيس على وشك أن يفعل بفريق الفريق توفيق ما فعله الرشيد بالبرامكة.
الطرف المهون، ومنه “حناجر عميقة” انطلقت من ضفتي رأس السلطة، تريد محاصر حملة ناشئة تتغذى على ما يسمى بـ”صراع أجنحة السلطة” لتقول نفس الشيء بخطاب مختلف، ومنها الطرف الذي اجتهد لتسويق مناخ “التنسيق والتشاور” الذي أنتج أعادة تنظيم مديرية (الدي إير إيس) فيما ذهب الطرف المهون الآخر إلى القول: أن القرار لم ينتقص من سلطات الفريق توفيق مثقال ذرة، وقد تولت الترويج لهذا الخطاب منابر إعلامية، يعلم الخاصة صلتها العضوية التقليدية بهذا الجناح أو ذاك. .
.
درس “الدي إير إيس” من رئاسيات 2004
أما الطرف الذي اختار الوقوف بين المنزلتين، من باب التقية، لا يريد أن يقرأ في الإجراءات حالة من الغلبة لهذا الفريق أو ذاك، فقد أخذ من الخطابين ما يهون به على نفسه، وحتى لا يقع فيما وقع فيه كثير من شخوص المشهد السياسي عشية رئاسيات 2004 وقد تعلم الدرس الذي ينبغي على كل “ناشط” سياسي في هذا البلد أن يعيه، وهو أن النظام قد تمرس منذ عقود على إدارة صراعاته خلف الستار، يتحاشى قدر الإمكان إلحاق أي إهانة بمكوناته الأساسية، حتى حين تسحقها متطلبات إعادة توزيع الأوراق داخل النظام لصالح بقاء النظام.
وكيفما كانت دوافع الأطراف الثلاث، فإن إجراءت إعادة هيكلة مديرية الأبحاث والأمن قد أنتجت واقعا سلطويا جديدا لم تتكشف بعد جميع أبعاده وتداعياته، سواء على مستوى الهدف المرجو منه بتوحيد مركز القرار داخل الدولة، أو في الحد الأدنى انتقال الجزء الوازن منه نحو قصر المرادية، أو على مستوى حاجة الرئاسة للإمساك بمكونات الدولة العميقة وأدواتها في المشهد السياسي، الجمعوي، والإعلامي ومختلف أسلاك الإدارة.
قبل أسابيع قليلة، كانت أعمدة الصحافة والمواقع الإليكترونية الموجهة عن بعد من فريق العقيد فوزي تسوق جهارا لما سمته وقتها بتفكيك “عصبة الرئيس” على خلفية الفضائح المالية في سوناطراك والقطاعات الوزارية المحسوبة على “رجال الرئيس” التي سربتها للصحافة، وهي ذاتها المنابر التي تصور الإجراءات التنظيمية الأخيرة، على أنها ضربة قاصمة وجهها الرئيس وفريقه للمؤسسة التي استعصت عليه طوال العهدتين السابقتين، وتسمح له اليوم، ليس فقط بإدارة الرئاسيات القادمة وفق الصيغة التي يرغب فيها الرئيس، بل تبقي على قرار حسم الرئاسيات القادمة لصالح فريق الرئيس، حتى لو امتنع الرئيس عن الترشح لعهدة ثالثة.
.
البعد الثالث في إصلاح المنظومة الأمنية
قليل من التحليلات غامرت باستشراف البعد الإصلاحي في هذه الإجراءات، بترقب إجراءات لاحقة مرجوة، تعيد صياغة المقاربة الأمنية للنظام وللدولة، قد بدأت بالفعل بإلحاق المديرية المركزية لأمن الجيش بقيادة الأركان، وهو مطلب قديم لهيئة الأركان قد تهيأت له الظروف بعد الاختراق الأمني الحاصل في قاعدة تغنتورين، وتبرره اليوم التهديدات الأمنية الجديدة حول الإقليم، والتي تستدعي سرعة التحرك، وتجاوز تعقيدات وثقل الجهاز البيروقراطي لمديرية الأبحاث والأمن.
“بات لزاما على دولنا المستضعفة المستباحة أمنيا، أن تراجع سياساتها الأمنية، وتجتهد للانتقال من تأمين نظم الحكم، إلى تأمين الدولة من تهديدات من الجيل الرابع، تعمل بأدوات اختطاف إدارة الدول لشعوبها”
البعد الثاني في الإصلاح قد يرتقب من تفكيك مركز الاتصال والنشر (سي سي دي) الذي كان يرأسه العقيد فوزي قبل تعيين العقيد عقبة خلفا له، وهو إجراء يفترض أن تستقبل بكثير من الترحيب من الأسرة الإعلامية ومن السياسيين، بالنظر إلى ما كان ينسب للمركز من هيمنة على الإعلام العمومي والخاص،وإدارته اللصيقة للمشهد الإعلامي، بتوزيع ريع الإشهار الحكومي، والتحكم حتى في توزيع ريع الإشهار الخاص الوافد من كبريات المؤسسات مثل جيزي ونجمة.
البعد الإصلاحي الثالث الذي لم يتضح بعد، قد يأتي لاحقا باستعادة السيطرة على الشبكة المعقدة والواسعة التي شيدتها مديرية الأبحاث والأمن داخل جميع مرافق الدولة، على المستويين المركزي والمحلي، هي التي منحت لهذه المؤسسة عنوان “الدولة داخل الدولة” مكونة حسب بعض المصادر من عشرات الآلاف من العملاء والأعوان، قدرها رئيس الوزراء الأسبق سيد احمد غزالي بما يقارب المليونين، وأقلها تقول مصادر أخرى نصف مليون عميل ومتعاون، لا تغيب معها واردة ولا شاردة عن أعين الفريق مدين ورجالاته.
.
ابتكار أمن المجتمعات والدول المستضعفة
الإصلاح المرجو على هذا المستوى ليس بالدعوة إلى تفكيك المنظومة، التي هي جزء من الوظائف الأمنية في الدولة الحديثة، بل بالعمل على ترشيدها، وتأطيرها لخدمة الوظيفة الأمنية للدولة، وليس لتسليطها على إطارات إدارات ومؤسسات الدولة، وشراء الولاء للمؤسسة بدل الولاء للدولة.
فالإبقاء على هذه الوظيفة إجراء محمود، متى اقتصر على الرصد وجمع المعلومة، دون التدخل في عملية الترجيح للوظائف أو الإقصاء، ومطاردة مستديمة للسحرة على الطريقة الماكارثية البغيضة، التي لم تغادر بعد الفكر الأمني والإستخباراتي حتى في أعرق الديمقراطيات كما نتابع فصول حملاتها المخيفة في الولايات المتحدة وأوروبا.
بعيدا عن هذه الأبعاد الإصلاحية الذي قد يحتاج إلى وقت لم يعد يملكه الرئيس، فإن المكسب المباشر من العملية هو بلا ريب توفير فرصة تسليط الأضواء على هذه المؤسسة، في زمن يفرض على دول العالم الثالث، ومنها تحديدا الدول العربية المستهدفة والمستباحة أمنيا، أن تراجع سياساتها الأمنية، وتجتهد للانتقال من تأمين نظم الحكم، إلى تأمين الدولة من تهديدات حروب غير مسبوقة من الجيل الرابع، تعمل بأدوات اختطاف إدارة الدول لشعوبها، بعد أن نجحت الثورات التكنولوجية في وسائل الاتصال والتواصل الاجتماعي في هدم الحدود الجغرافية التقليدية للدول، بل وهدم الحصون الحضارية الدينية والثقافية، التي صمدت حتى في أحلك أيام الاستعمار القديم.
لأجل ذلك كنت آمل من الطبقة السياسية ومن الإعلام أن يتجاوز البعد والأهداف السياسوية لهذه الإجراءات حتى وإن كانت حاضرة، ويشجع الرئيس على المضي بعيدا في إصلاح المنظومة الأمنية الوطنية، وتهيئتها لحماية الدولة والمجتمع، في عالم متقلب مضطرب، يجرب فيه بنجاح الجيل الرابع من الحروب التي تنسف الدول من الداخل بزرع الفتن، وتقسيم الشعب الواحد إلى قبائل وملل ونحل متناحرة.
.
جرس أمني من الخليفة الأموي
في زمن الخليفة عمر بن عبد العزيز بعث إليه أحد عماله يطلب مددا من الشرط لتأمين المدينة، فرد عليه عمر بن عبد العزيز بجملة مقتضبة تقول “أمن مدينتك بالعدل، ونقي شوارعها من الظلم” تصلح اليوم لتكون عنوانا قائدا لسياسة أمنية حديثة، لا نحتاج معها إلى هذه المركبات البيروقراطية المعقدة والمكلفة، التي قد تنجح لفترة في تأمين النظم، لكنها تنهار عند أول استحقاق أمني يستهدف الدول في خاصرتها الرخوة، باستهداف مجموعتها الوطنية، والركوب على ما يكون قد تراكم عندها من شعور بالظلم والغبن والإقصاء كما حصل في دول الربيع العربي.