-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

ابن تيمية.. المصلح الذي ظُلم مرّتين

الشروق أونلاين
  • 4837
  • 0
ابن تيمية.. المصلح الذي ظُلم مرّتين
الأرشيف

تناقلت بعض المواقع في الأيام القليلة الماضية صورة لمراسلة بعث بها عميد كلية العلوم الإسلاميّة، بجامعة بغداد، الدكتور محمد جواد محمد سعيد الطريحي، الكربلائي مولدا، إلى الأقسام ووحدات الدراسات العلمية العليا والأساتذة ولجنة السلامة الفكرية، تقضي بتعميم منع الاستشهاد بكلام كلّ من ابن تيمية (ت 728هـ) وتلميذه ابن قيم الجوزية في الرّسائل والأطروحات وفي التدريس والمناهج والكتب المدرسيّة!..

هذه التعليمة يمكن فهمها في إطار السياق العامّ للحرب الثقافية والدينيّة التي أعلنها الطّائفيون في العراق على تراث أهل السنّة ومصادرهم وعلمائهم، وحملات التّضييق التي طالت المساجد، والإقالات التي طالت الأئمّة والمدرّسين الذين يتوسّم فيها معاداة المذهب الطّائفيّ.

عداء الشّيعة لابن تيمية مركّز وقديم، بدأ منذ تصنيفه لكتابه “منهاج السنّة النبويّة في الردّ على الشّيعة القدريّة”، وهو الكتاب الذي ردّ فيه على كتيّب شيعيّ عنوانه “منهاج الكرامة في إثبات الإمامة” ألّفه ابن المطهّر الحليّ (ت 726هـ) الملقّب عند الشّيعة بالعلامّة والمصنّف كواحد من أشهر علمائهم، ليروّج لمذهبه بين أهل السنّة ويسعى في تشييعهم، فتصدّى له ابن تيمية، بكتابه المذكور وردّ عليه ردا مفصّلا أتى بنيانه من القواعد، وأصاب الشّيعة في مقتل، ومن يومها وهم يسعون في تشويه صورة ابن تيمية والوشاية بتراثه، فيتّهمونه بالنّصب تارة، وبالتّكفير والتطرّف تارة أخرى، مع أنّ كتاباته وفتاواه تنضح بعباراته التي تثبت محبّته لأهل البيت وموالاته لهم، وتثبت براءته من الغلوّ والتّكفير الذي نسبه إليه من عادوه ولم يعرفوه.

لا يكاد يوجد باحث درس سيرة ابن تيمية وتراثه بإنصاف إلا وشهد بأنّ الرّجل ظلم مرّتين؛ ظلم في حياته من طرف بعض العلماء الجامدين الذين حاكموه في قضايا خلافية تبنّى فيها آراء حمّلوها في كثير من الأحيان ما لم يقصده ابن تيمية وما عرف عنه ضدّه ونقيضه، كما ظلم بعد وفاته من طرف بعض الجماعات التكفيريّة التي تستدلّ بكلامه في تبرير غلوّها في التّكفير، تقابلها جماعات أخرى، منها السلفية المدخلية، تجنح إلى الإرجاء وتستدلّ هي الأخرى بتراث ابن تيمية وفتاواه، في تبرير الغلوّ في طاعة الحكّام وفي التعاون مع الأعداء المحتلّين؛ ما يدلّ على أنّ المشكلة ليست في فتاوى ابن تيمية وكلماته إنّما في تأويلها واستغلالها وتوظيفها.

وقد أكّد بعض الباحثين المتخصّصين في تراثه أنّه بريء من هؤلاء وأولئك، وبريء من تهمة التشدّد والتّكفير التي يراد إلصاقها به لطمس تراثه الفقهيّ والفلسفيّ الذي تزخر به المكتبات الإسلاميّة؛ فقد وضع ضوابط واحترازات كثيرة لإنزال الأحكام العامّة على الأعيان، والقول بكفر المعيّنين، يندر أن يوجد من تنطبق عليه من أهل القبلة، وقد شهد بهذا واحد من أعرف العلماء بتراثه، الإمام الذّهبي –رحمه الله- حينما قال: “ومذهبه توسعة العذر للخلق”، بل قد اشتهر عن ابن تيمية أنّه ما كان يكفّر أحدا من مخالفيه، ومع أنّ بعضهم نصبوا له العداوة وكفّروه، وسعوا في أذيته، إلا أنّ ذلك لم يمنعه إنصافَهم والتماس العذر لهم، ومن مواقفه في هذا الباب أنّ بعض المتصوّفة من أتباع  ابن عطاء الله السكندريّ – ت 709هـ رحمه الله- ضربوا ابن تيمية، فجاء محبّو الأخير يطلبون إذنه ليردّوا لمن آذوه الصّاع صاعين، ففوجئوا به ينهاهم ويزجرهم، ويقول لهم: “هم منّي في حلّ، بل ربما يكونون مأجورين؛ لأنهم متأوّلون يظنّون أنّ ما فعلوه هو الدين”، وهكذا كان مع كلّ من خالفه من الأشاعرة والصّوفية وأتباع المذاهب الفقهية المعروفة، بل إنّه وعلى الرّغم من توسّعه في الردّ على الشّيعة الإمامية، إلا أنّه مع ذلك أنصفهم في مواطن كثيرة من فتاواه، ومن ذلك أنّه قال: “وقد ذهب كثير من مبتدعة المسلمين من الرافضة والجهمية وغيرهم إلى بلاد الكفار فأسلم على يديه خلق كثير، وانتفعوا بذلك، وصاروا مسلمين مبتدعين، وهو خير من أن يكونوا كفارًا” (مجموع الفتاوى، 16 /96)، وقال: “والإمامية الاثنا عشرية خير منهم بكثير، فإنّ الإمامية مع فرط جهلهم وضلالهم، فيهم خلق مسلمون باطنًا وظاهرًا، ليسوا زنادقة منافقين، لكنّهم جهلوا وضلّوا واتّبعوا أهواءهم” (منهاج السنة، 2/ 452)، كما أنكر على من يفضّل اليهود والنّصارى على الشّيعة، وقال: “كلّ من كان مؤمنا بما جاء به محمد فهو خير من كل من كفر به، وإن كان في المؤمن بذلك نوع من البدعة، سواء كانت بدعة الخوارج والشيعة والمرجئة والقدرية أو غيرهم” (مجموع الفتاوى، 35/ 201).

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!