استفتاء الأمير في جهالة أهل الفتن
كلما خمدت نار الفتنة المذهبية “السنية ـ الشيعية” يخرج علينا زعيم من الطائفتين يحطب لها بليل ليذكي نيرانها التي تنفخ فيها ولها مصالح الدولتين اختطفتا القيادة الروحية للمسلمين من الطائفتين، وإلا كيف نفهم الدعوة التي وجهها مؤخرا المرشد الأعلى خامنئي لعموم المسلمين يحثهم على المطالبة بانتزاع إدارة الحرمين الشريفين من السعودية؟
الدعوة قديمة ـ جديدة، قد سبقه إليها الغرب المسيحي ـ اليهودي بعد سقوط الخلافة العثمانية، والتقطتها دول عربية وإسلامية كلما دخلت في خصومة مع السعودية، فرفعها بعض القوميين والناصريين واليساريين العرب خدمة لأجندات ليس فيها للمسلم ناقة ولا جمل، كما هي اليوم دعوة المرشد الأعلى خامنائي، وقد استغل إخفاق طهران والرياض في تسوية خلافٍ بيني على إدارة بعثة الحجيج الإيرانيين، ليحوّلها إلى أزمة مذهبية تغذي بقية الساحات الملتهبة في المشرق.
بعضهم قد يرى في الدعوة “حقا يراد به باطل” لا تختلف كثيرا عن المشروع الصهيوني الذي حاول تمرير مشروع وضع المسجد الأقصى تحت وصاية دولية وإدارة إسلامية كمسوغ لتمرير مشروع إلحاق القدس بالكيان الصهيوني، وما يطرحه خامنائي اليوم هو عينه ما توافقت عليه القوى الغربية بشأن محاصرة الكنيسة في “غيطو” اسمه الفاتيكان، قبل أن تجهز على الكنيسة، ثم على المسيحية عبر الكيان البابوي، وقد حُوّل إلى دويلة تعالج بأدوات المصالح.
ثم إن الصوت الإيراني الممثل لسبعين أو ثمانين مليون مسلم من بين مليار ونصف المليار، هو من يرفع هذه الدعوة، التي هي ـ في هذا الوقت ـ دعوة للفتنة، أكثر منها دعوة لتحسين الخدمة بالحرمين، فمهما قيل عن الأخطاء ووجوه التقصير، فلا أحد من الحجاج المسلمين اشتكى من مضايقة أو إخلال فاضح بواجب حسن الضيافة أو أداء مناسك العمرة والحج، باستثناء الوفود الإيرانية التي اعتادت على تحويل موسم الحج إلى منبر دعائي طائفي، وفرصة لتصدير الثورة.
المرشد الأعلى ذهب أبعد من مجرّد طلب انتزاع إدارة الحرمين الشريفين من السعوديين، فسقط في ما يشبه الغمز في الذمة، واللمز في إيمان قادة السعودية بالقول: “على العالم الإسلامي، حكومات وشعوب، أن يلتفت إلى ما في طبيعة القادة السعوديين من قلة احترام، وكُفر، وتبعية…”؟!
يقيناً أن الدعوة هي حالة من الهروب إلى الأمام، وتصعيد للصراع بين دولتين مسلمتين اتخذتا من تسعير الصراع المذهبي واجهة لتصفية حسابات دنيوية صرفة، لا صلة لها، لا بنصرة الإسلام، ولا حتى بنصرة أحد المذهبين، فما أحوجنا اليوم إلى من يعيد على أسماع هؤلاء ما قاله الأمير عبد القادر لأعيان دمشق وهو يجاهد لوأد الفتنة بين المسلمين والمسيحيين في ما سُمي بفتنة الستين: “إن الأديان، وفي مقدمتها الدين الإسلامي أجلّ وأقدس من أن تكون خنجر جهالة، أو معول طيش، أو صرخات نذالة تدوّي بها أفواه الحثالة من القوم. أحذركم أن تجعلوا لشيطان الجهل فيكم نصيباً أو أن يكون له إلى نفوسكم سبيلا”، وكان الأمير قد جند وقتها ألفا من رفاق الجهاد لحماية أكثر من 15 ألف مسيحي كانت الفتنة الطائفية تهددهم بالإبادة.