افتتح مسجد كتشاوة بالقرآن بدعوة من الراحل بن بلة
يعتبر الشيخ عبد الباسط عبد الصمد أحد أشهر قراء القرآن الكريم في العالم الإسلامي، ويتمتع بشعبية هي الأكبر في أنحاء العالم لجمال صوته ولأسلوبه الفريد. وقد لُقب بالحنجرة الذهبية وصوت مكة.في هذا الموضوع تأخذكم الشروق العربي في جولة إلى قريه ارمنت التابعة لمحافظة الأقصر مسقط رأس الشيخ عبد الباسط.
في البداية توجهنا إلى قرية ارمنت والتي تبعد عن القاهرة بحوالي 700 كلم، وذهبنا إلى المنزل الذي نشأ فيه الشيخ والتقينا بالأستاذ أحمد عبد الحميد ابن أخ الشيخ عبد الباسط وحكي لنا كيف كانت بداية رحلة الشيخ عبد الباسط مع القرأن الكريم، حيث نشأ في بيئة تهتم بالقرآن الكريم حفظاً وتجويداً. فالجد الشيخ عبد الصمد كان من الحفظة المشهود لهم بالتمكن من حفظ القرآن وتجويده بالأحكام، والوالد هو الشيخ محمد عبد الصمد، كان أحد المجودين المجيدين للقرآن حفظًا وتجويدا كذلك.
يقول الأستاذ خالد ان الشيخ كان مرتبطا ارتباط وثيقا بأرمنت، و رغم سفريات الشيخ الكثيرة، الا انه كان حريصا على زيارة مسقط رأسه ارمنت باستمرار، وكان دائما ما يساعد أهل بلدته، ويحيي حفلات الزواج مجانا لأهلها وقام ببناء مسجد ومدرسة في ارمنت وكذلك ساهم في انشاء نفق للمشاة ليخدم اهل ارمنت .
بعد ذلك حدثنا الأستاذ محمد شقيق الاستاذ احمد عن نشأة الشيخ الذي أتم حفظ القرآن وهو في العاشرة من عمره،
وأراد بعدها الشيخ ان يتعلم القراءات المختلفة للقرآن الكريم وكان يجب عليه ان يسافر إلى طنطا ليتعلم علوم القراءات على يد الشيخ محمد سليم، ورغم بعد المسافه بين ارمنت وطنطا والتي تصل لحوالي ألف كلم، الا ان الشيخ أصر على السفر، وقبل التوجه إلى طنطا بيومٍ واحدٍ علم بوصول الشيخ محمد سليم إلى (أرمنت) ليستقر بها مدرسًا للقراءات بالمعهد الديني بأرمنت، واستقبله أهل أرمنت أحسن استقبال واحتفلوا به؛ لأنهم يعلمون قدراته وإمكاناته، لأنه من أهل العلم والقرآن، وكأن القدر قد سَاقَ إليه هذا الرجل في الوقت المناسب. وعندما أتم الشيخ عامه الثاني العشر كان قد حفظ القرآن بالتلاوات المختلفة، وبعد ذلك بدأ يذيع صيته في مختلف محافظات الصعيد وكان يقوم بأحياء مناسبات كتيرة.
وبعد اعتماد الشيخ عبد الباسط بالإذاعة عام 1951 ليكون أحد قرائها، قرر الشيخ ان ينتقل للعيش بالقاهرة.
بعد أن أنهينا رحلتنا في قرية ارمنت، توجهت الشروق العربي إلى منزل الشيخ في القاهرة وكان في استقبالنا ابنه الشيخ طارق عبد الصمد الذي سار على نهج والده في تلاوة القرآن الكريم.
يحدثنا الشيخ طارق عن الجوانب الشخصية للشيخ عبد الباسط، فقد كان الشيخ يحب دائما ان يظهر نعم ربه عليه، كان دائما يقول انه سفير للقرآن ويجب ان يظهر في أبهى صوره، فهو يحمل كلام الله.
كان ايضا يحرص علي حضور حفلات أم كلثوم وكانت علاقاته جيده بالفنانين وقتها.
وبالنسبو لطقوس الشيخ في رمضان، كان نادرا ما يقضي شهر رمضان في مصر وكانت دائما تأتيه دعوات لقضاء الشهر الكريم خارج قي مصر. أما بالنسبة لطقوسه في شهر رمضان عندما يكون في مصر فإنه يقضي معظم وقت في تلاوة القرآن فكان يبدأ يومه عند صلاة الظهر ويقضي فترة الصيام ما بين الصلاة و قراءة القرآن، وبعد الإفطار عقب صلاة التراويح يذهب لإحياء حلقات ذكر وقراءة القرآن حتى صلاة الفجر.
أبناء الشيخ
يقول الشيخ طارق اننا 10 ابناء، 7 ذكور و3 بنات، والغريب في الأمر أن و لا واحد منا التحق بالأزهر، وكان الشيخ لا يجبر أحدا من ابنائه علي دراسة معينة او عمل معين وكان يترك لنا الحرية في تحديد مستقبلنا. ويستكمل الشيخ طارق الحديث ان الشيخ عبد الباسط كان حريصا على إحضار شيخ لهم ليحفظهم القرآن الكريم. ومن المواقف المؤلمة التي حدثت ان الشيخ الذي كان يحفظهم القرآن توفي وهو يحفظ هشام أحد ابناء الشيخ القرآن. وكان الشيخ عبد الباسط معتادا ان يصطحب ابناءه معه في الاحتفالات والأعياد التي كان يقرأ فيها الشيخ القرآن، وفي إحدى المرات كان الشيخ يقرأ القرآن في احد الاحتفالات في الصعيد وكنت معه انا واخي ياسر فطلب منه الحضور ان يسمعوا تلاوتي، وبالفعل قمت بالتلاوة ونلت استحسان كل الحاضرين، وبعدها طلب مني الشيخ ان لا أكتفي بالتلاوة كهواية وان اقوم بدراسة القرآن الكريم التلاوات المختلفة.

سفريات الشيخ الدولية
كان الشيخ عبد الباسط دائم السفر ولا يستقر في مصر كثيرا، حيث كانت تنهال الدعوات عليه من الدول المختلفة ليقوم بزيارتها.
لم يقتصر الشيخ عبد الباسط في سفره على الدول العربية والإسلامية فقط وإنما جاب العالم شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، وصولاً إلى المسلمين في أي مكان من أرض الله الواسعة، ومن أشهر المساجد التي قرأ بها القرآن هو المسجد الحرام بمكة والمسجد النبوي الشريف بالمدينة المنورة والمسجد الأقصى بالقدس الشريف وكذلك المسجد الإبراهيمي بالخليل في فلسطين والمسجد الأموي بدمشق وأشهر المساجد بآسيا وإفريقيا والولايات المتحدة وفرنسا ولندن والهند ومعظم دول العالم، وقد أسلم على يديه المئات بعد ان استمعوا إلى تلاوته.
ومن أشهر زياراته التي كانت إلى جنوب افريقيا، حيث تضاعف عدد المسلمين في جنوب افريقيا بسبب زيارته حتى ان المذيعو التي كانت تنقل حفلات الشيخ في جنوب افريقيا اعلنت اسلامها.
ايضا الشيخ عبد الباسط كان صديقا شخصيا للملك محمد الخامس ملك المغرب الذي عرض عليه ان يستقر بالمغرب ويمنحه الجنسية المغربية، لكن الشيخ رفض وقال له انه مرتبط بمصر ولا يستطيع العيش خارج مصر.
سافر إلى السعودية عام 1951م لأداء فريضة الحج وقام ببعض التسجيلات لإذاعة المملكة، ثم تتابعت بعد ذلك الزيارات للمملكة فسجل لها المصحف المرتل برواية حفص عن عاصم وذلك بدعوة من وزارة الإعلام السعودية، وقد دعته كذلك حكومة سوريا لإحياء شهر رمضان بالمسجد الأموي بدمشق والجامع الكبير بحلب، وكذلك قام بإحياء بعض الليالي الدينية بلبنان والجزائر والكويت وكل الدول العربية، وكانت تلك الزيارات بعضها من قبل وزارة الأوقاف لإحياء ليالي شهر رمضان والبعض الآخر عن طريق الدعوات الشخصية.
الشيخ عبد الباسط والجزائر
زار الشيخ عبد الباسط الجزائر ورتل آيات الله على أرضها.
بدأت زيارة الشيخ للجزائر بافتتاح مسجد كتشاوة، وكان هذا المسجد موجودا في السابق، لكن الاحتلال حوله إلى كنيسة، ولكن بعد الاستقلال عاد مسجدا من جديد، وبدأ الشيخ يرتل القرآن في ساحة الشهداء ويقول انه شعر بنشاط وافر في الجزائر وانه لن ينسى هذا اليوم المشهود.
وفاة الشيخ
توفي فى يوم الأربعاء 30 نوفمبر1988م، وكانت جنازته وطنية ورسمية على المستويين المحلي والعالمي، فحضر تشييع الجنازة كثير من سفراء دول العالم نيابة عن شعوبهم وملوك ورؤساء دولهم تقديراً لدوره في مجال الدعوة بكافة أشكالها.
عبد الباسط في رمضان: لم ينم يومين متتاليين فأذن في البيت وهو نائم.
قضى الشيخ أكثر من 10 رمضانات خارج بيته، وكان يفضل ترتيل القرآن في هذا الشهر الفضيل على تجويده، وأمّ الناس في مساجد في جنوب إفريقيا، ويذكر له طرافة في رمضان أنه مرّة من شدّة تعبه لم ينم يومين كاملين، فلمّا غلبه النعاس، أخذ يؤذّن وهو نائم ويقول حان وقت المغرب… حتى سارع إليه أهله، وأيقظوه.