-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الأحداث… من علٍ

عبد الله هوادف
  • 1205
  • 0
الأحداث… من علٍ

هذه الأحداث التي تتوالى سريعة بشكل تبدو فيه الأرض تلهث من التعب: حروب ومآس وكوارث طبيعية وأزمات اقتصادية وتوترات ونزاعات… سيصيبك الدوار لمجرد أن تحاول استحضار ما تقدمه وسائل الإعلام في ساعة واحدة، وسيتوعك إبهامك من التقليب بين القنوات لتشاهد “تقريرا” في قناة و”تحليلا” في أخرى و”مقابلة خاصة” في ثالثة، و”معنا على الهاتف” في رابعة، و”ينضم إلينا عبر الأقمار الاصطناعية” في خامسة…

هل تذكرون كل تلك الجعجعة؟ تفجير “انتحاري” في مدينة “كذا”، والقوات النظامية تتقدم الى قرية “س”، والمتمردون يستولون على موقع “ع”، والوسيط الأممي يلتقي الوفد المعارض، ووزير خارجية إحدى الدول الكبرى يعقد ندوة صحفية، وووو… وفي المساء، تنصب البلاطوهات وينادى بالخبراء والمعلقين من كل فج عميق، ثم تبدأ التأكيدات والتعقيبات والاستطرادات والتشكيكات… ثم تهدأ المعركة، في انتظار يوم جديد… هل بقي في أذهانكم شيء مما كان يقال؟ هل غير ذلك من طريقة سير الأمور؟ هل أوقف حربا أو أنهى أزمة أو حقق سلاما؟…

يوجد دائما أشخاص بحاجة إلى كسب معيشتهم بطريقة ما، وحتى يفعلوا على الآلة أن تتحرك. ولذلك صار الخبر صناعة قائمة. سيصبح الحدث العارض قضية كبيرة، وستحشد الكاميرات والميكروفونات لتصنع “القصة”، ولأن كل منتج هو بحاجة إلى سوق ومستهلكين، سيتم إقناع أكبر عدد من الناس بأن هذه السلعة تلبي احتياجاتهم، ولضمان عدم تعطل سلسلة الإنتاج، سيستعان بالوسطاء والمتعهدين: مثل هؤلاء الذين يسمونهم “محللين”، والذين يتعين عليهم تتبع التفاصيل وإنجاح الحبكة: لماذا قال فلان ما قال، وهل قال ذلك فعلا، وما هي الرسائل التي يتضمنها قوله، ولماذا قال ما قال في هذا الوقت وفي ذلك المكان، ثم تبدأ لعبة استحضار الأرواح: ما هي الآثار والانعكاسات والنتائج والسيناريوهات المستقبلية لما قاله فلان، أو لما فعله علان.

وحتى تستمر الإثارة على مدار الساعة، سيتم تلفيق الوقائع ونشر الإشاعات لوجود حاجة ملحة إلى تكذيبها لاحقا، تماما مثل حكاية الفيروسات ومضاداتها، البيولوجية والالكترونية. ولابد أيضا من الاستعانة بتقنيات التسويق الحديثة، كان الصحفيون، أو الذين باتوا يسمون الآن مع مسحة من التعالي “إعلاميين” موظفين بسطاء، يقرؤون الورقة المعدة لهم وينصرفون. أما الآن فقد صاروا “مشاهير”، تحمل الحصص أسماءهم. ولى المظهر الوقور وحل محله المظهر الجذاب وصارت الاحترافية تعني أن تثير الفتنة بين محاوريك، وسرعان ما اختفت الاستفسارات البريئة من قبيل: ما هو رأيك…؟ كيف تفسر؟… وظهرت صياغات جديدة: ألا توافقني القول؟… ألا تعتقد معي؟.. ألا تشاطرني الرأي؟…

على كل… قد يبدو الأمر ساذجا بعض الشيء، إن الأرض لا زالت تدور بنفس الطريقة التي كانت عليها منذ ملايين السنين، والوقائع تتوالى كما كان عهدها دائما. الشيء الوحيد المختلف أننا الآن جزء من القصة. حاول الابتعاد قليلا عن هدير الأحداث، كأنك تنظر إليها من كوكب آخر، ستبدأ الجلبة في التلاشي شيئا فشيئا إلى أن تتحول إلى سكون مهيب، ولا يبقى في المشهد بعد ذلك إلا صورة كوكب يتبع مداره، وتاريخ يواصل مجراه.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • حسان

    كما يقال من يمتلك تكنولوجيا المعلومة يملك العقل........لذا لتمرير المشاريع يجب خلط الأوراق و تشتيت الفكر عن طريق وسائل الإعلام....إنه التخدير السلس....حتى تستفيق و جارك و عائلته ماتوا تحت قصف طائرة من دون طيار و قد كنت البارحة و وطنك و جارك تنعمون بالسلام....حروب العصر

  • سمية

    و أنا أقرأ كلماتك لمحت بين ثنايا ذاكرتي صورة لشخص كانو يدعونه " بالمحلل الحربي " على إحدى القنوات ذائعة الصيت أثناء بداية الحرب في ليبيا ، كنت قبل ذلك التاريخ أمضي الساعات و أستمع للحوارات و أندمج مع النقاشات و كلي قلق مما يدور في بلاد إخوتنا في مشرق وطننا و مغربه ، ذلك المحلل الحربي كان يتكلم و كله ثقة و يعطينا الاحداثيات و المسارات و التوقعات.... و أنا انصت ، إلى أن أتى يوم استرجعت فيه كلماته ، فلا واحد من توقعاته صدق ، و لا طرف من الأطراف ربح ...فاكتشفت اللعبة
    و من يومها طلقت السياسة !