الأقلية التّغريبيّة وعقدة “التربية الإسلاميّة”
“إصلاحات الجيل الثاني”.. عنوان كبير يظنّ من يسمعه لأوّل وهلة أنّ الأمر يتعلّق بدراسات علمية واعية صدرت عن ورشات جادّة عقدت لأجل تدارك حال المنظومة التربوية في هذا البلد، وانتشالها من الواقع المزري الذي تعيشه، وإلحاقها بمصافّ المنظومات التعليميّة في البلدان المتقدّمة، لكنّه ما أن يقف على البوادر الأولى لما سمي “إصلاحات” حتى يدرك بما لا يدع مجالا للشكّ أنّ الأمر لا يعدو أن يكون عدوانا جديدا تشنّه الأقلية الاستئصالية التغريبية على ما تبقّى من حبال تربط المنظومة التربوية بالدين والأخلاق.
الواقع الذي يعيشه التّعليم في هذا البلد واقعٌ مزرٍ بكلّ المقاييس، لكنّه وبدل أن تتضافر الجهود لوضع اليد على موضع الدّاء، إذ بنا نُفاجأ في كلّ مرّة بخطوات جديدة تتّخذها الزّمر التّغريبية على طريق استئصال عناصر الهوية الوطنية من المناهج الدراسية، حتى وصل الأمر بغلاة العلمانية المضطلعين بهذه “الإصلاحات”! إلى ترقية اللغة الفرنسية إلى مكانة أصبحت تزاحم فيها اللّغة العربيّة، في بلد ينصّ دستوره على أنّ “اللّغة العربيّة هي اللّغة الوطنيّة الرّسميّة”، وإلى خنق مادّة التّربية الإسلامية، بخفض معاملها وعدد ساعاتها، لتصبح مادّة أقلّ شأنا من الرياضة والموسيقى!.
لسنا ندري كيف يربط أدعياء “الإصلاح” هؤلاء بين إصلاح المنظومة التربوية وبين العدوان على اللّغة العربية والتربية الإسلاميّة؟ ولسنا ندري أيّ ورشات وأيّ دراسات هذه التي تتمخّض عن أصابع كاذبة خاطئة توجّه إلى اللغة العربية والتربية الإسلامية، وتجعل التّضييق عليهما أساسا للتّطوير والعصرنة؟.
دولة الاحتلال الصهيونيّ المسمّاة “إسرائيل”، تجعل تدريس عقيدتها اليهودية المحرّفة الموغلة في الخرافة، من أهمّ أولوياتها، بل وتجعل معاملها في الامتحانات من أقوى المعاملات، بينما لا يتجاوز معامل التربية الإسلامية في كثير من المراحل الدراسية وفي أغلب التخصّصات عندنا “2”، ومع ذلك يصرّ بعض غلاة العلمانية على أنّها سبب التخلّف!.
اليهود الذين حازوا من وسائل التقدّم والتطوّر ما حازوا، واستطاعوا امتلاك الأسلحة النووية، يولون تعليم التوراة وتعليم الدين اليهوديّ الأهمية القصوى؛ ففي عام 1953م عندما قام الكيان الصهيوني بسنّ قانون التعليم للدولة اليهودية، نصّت المادة الثانية منه على أنّ “التّعليم في دولة إسرائيل يجب أن يرتكز على قيم الثقافة اليهودية والولاء لدولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتحقيق مبادئ الريادة في العمل الطلائعي الصهيوني”، وجاء في القانون التعليميّ الرسميّ لدولة الاحتلال الصّهيونيّ أنّ “الهدف من التّعليم الرسمي هو إرساء الأسس التربوية على أساس الثقافة اليهودية ومنجزات العلم، وعلى محبة الوطن والولاء للدولة وللشّعب اليهودي”، ويقول “مائير بارايلان”، أحد مفكري التربية اليهودية: “إنّ روح التلمود ومعرفة عامة شرائعه وآدابه يجب أن تكون جزءًا من دراسة كل يهودي متعلم، حتى وإن لم يكن سيجعل من حقل الدراسة هذا مجالاً للعمل، والأمر شبيه بتعليم الفيزياء والرياضيات، فمع أنه ليس كل تلميذ يتخصص فيهما، ولا يستخدم جميع ما يتعلمه فيهما في حياته العملية، إلا أنهما ضروريتان له، كذلك بالنسبة للتلمود، يجب أن يحفظ كل تلميذ مقاطع معينة منه وأن يتشرّب روحها”.
هذا ما يقوله مفكّرو اليهود، وهم أتباع دين لا يقبله علم ولا عقل، في مقابل إصرار المستلبين عندنا على ترديد ما شقشقات الحاقدين في الغرب وتخرّصاتهم حول دين العلم والعقل، دين الإسلام، الذي شهد المنصفون شرقا وغربا بأنّه الدّين الوحيد الذي لا يعارض العلم.
لأجل هذا، فقد أصبح لزاما على إخواننا الأساتذة والمعلّمين أن يعلنوا وقوفهم في وجه هذا العدوان الجائر على عناصر الهوية في المنظومة التربوية، ويعلنوا رفضهم القاطع لإصلاحات تُمليها جهات خارجية معروفة بعدائها المتأصّل لمقومات وتاريخ هذا البلد، ويدافعوا عن مكانة الدّين والأخلاق في المناهج والبرامج الدراسية، ويضغطوا لتعزيز مكانة عناصر الهوية وحمايتها.
ليس الأساتذة والمعلّمون هم وحدهم المسؤولون عن هذا الواجب؛ فربط التّعليم بالتربية والدين والأخلاق والآداب، ضرورة حضارية نتحمّل مسؤوليتها جميعا؛ الأولياء مسؤولون عن أبنائهم وبناتهم؛ فليس توفير الكتب والكراريس والأقلام هو حدّ المسؤولية ونهاية المطاف، وإنّما لا بدّ من متابعة ومراقبة ونصح متواصل، وزجر وتأنيب كلّما بدر خطأ مهما كان بسيطا.. أئمّة المساجد أيضا مطالبون بالدّفاع عن مكانة الدّين والأخلاق في قطاع التّعليم، وعن فضح المخطّطات الآثمة التي تهدف إلى الفصل بين التّعليم والدّين، وعن تنبيه الأولياء والأساتذة والمعلّمين إلى واجبهم في الاهتمام بأخلاق التلاميذ والطّلبة وبدينهم.. وسائل الإعلام الخاصّة، ينتظر منها أيضا أن تضطلع بدورها في توعية المجتمع وفضح المآرب الاستئصالية التي تستهدف التّعليم والأسرة.. الأحزاب السياسية ومنظّمات المجتمع المدنيّ أيضا، ينبغي أن تتحرّك للدّفاع عن عناصر الهوية، كما تتحرّك للدّفاع عن الحقوق الاجتماعية؛ فالدّين لا يجوز أبدا أن يكون أقلّ أهمية من البترول ولا من كيس الحليب.