الإخوان: الخطأ الاستراتيجي
لا يستطيع أحد أن يلوم الإخوان المسلمين في سعيهم للوصول إلى السلطة مثل أي فصيل سياسي له مشروع فكري يحتضنه قطاع عريض من الشعب المصري. وهو واهم من يظن أن حل الأزمة في مصر سيكون باستبعاد الإخوان ونبذهم، مبررا لفظ الشعب لهم ولمشروعهم، كما يحلو لخصومهم لوكه في الإعلام المرئي والمكتوب.
كما أنّ الحكم على الفترة التي قضاها مرسي في الرئاسة يتعدى التوصيف السطحي الذي يتناوله كثير من الإعلاميين والساسة المصريين.
وعجيب أن يتكلم “خبراء” عن فشل اقتصادي، وركود البورصة ،وتدهور قيمة صرف الجنيه، ويعلقونه على ضعف أداء الرئيس، وكأن سنة من حكمه ستأتي بكل الحلول وستقفز بمصر إلى حالة رفاه لاجدال فيها.
هذا الفشل، وإن أجمع عليه المراقبون، لا يتعلق بضعف في الأداء السياسي والتواصل مع المجتمع المدني بقدر ما يتعلق بالظرف العام الذي يميز هذه المرحلة الانتقالية، وهي الأدق والأصعب في تاريخ كل دولة تمر بما تمر به مصر.
فلا يمكن الحديث عن تحسين أوضاع المواطن المصري دون توفير شروطه البديهية، وهي بناء المؤسسات واستقرارها، وتوفير أجواء الأمن والهدوء الاجتماعي.
وأي استباق للنتائج على حساب التحضير الجدي لهذا البناء المؤسساتي سيؤدي إلى انهيار العملية السياسية برمتها. والواقع أن أي شخص مهما كانت كفاءته في التسيير، وحنكته السياسية، ليبراليا أو إخوانيا، برادعيا أو صباحيا، لن ينجح في ظروف هي أشبه بعصيان مدني غير مبرر.
وقد أخطأ الإخوان خطأ استراتيجيا بسعيهم إلى جمع كل السلطات ـ وإن كان لهم كل الحق في ذلك ـ لأنه سيجعل مسؤولية هذه الفترة الحرجة عليهم وحدهم، وهي مخاطرة وضعت مصداقيتهم وقدرتهم في الحكم على المحك.
لا سيما أن قطاعات من الشعب، لطول صبرها ومعاناتها في مرحلة مبارك واستبداده، كانت تتلهف لتحسين أوضاعها المعيشية؛ ولحداثة تجربتها الديمقراطية، ونقص في وعيها وثقافتها السياسية، ظنت أن مجرد مجيء رئيس منتخب سيقلب الأوضاع بصفة أوتوماتيكية.
وهو قاسم مشترك في المجتمعات العربية التي لم ترق ـ للأسف ـ إلى مستوى تحديات ما بعد الثورة، وهي فترة جد صعبة، تستوجب تصبرا واحتسابا.
وكان من المفترض أن تقوم النخب السياسية والدينية ووسائل الإعلام، دور توعية الشعب وتثقيفه، والعمل على توفير الأجواء الملائمة لممارسة الحكم، وكذا حق المعارضة في العمل وفقا للتداول الديمقراطي السلمي؛ بيد أنّ أقليات نافذة في مصر حاولت تأليب جزء من الشعب على بعضه، ودفعت به للإيقاع بمن تراه عدوها الأول والأخطر “جماعة الإخوان”، وكانت بوادر هذا العداء واضحة حتى قبل ترشح مرسي.
وقد ووددنا أن يراعي الإخوان هذا الواقع السياسي العدائي، ولا يتحملوا وحدهم مسؤولية دولة ماتزال تتلمس طريق البناء، ولمّا تنضج عقول نخبها لاستيعاب تحديات الثورة وما بعدها، ومازالت فلول عهد مبارك تنشط فيها؛ فلا يحتكروا السلطة قدوة بتجربة النهضة في تونس، وأن يتقاسموها مع القوى الأخرى، فيتخففوا من تبعات هذه الفترة الخطيرة والحرجة، ويخففوا من وطأة الأقليات النافذة التي ما فتئت تستثمر في تشويه الآخر من أجل توجيه الرأي العام.
هذه الأقليات النافذة والفاعلة التي انتبه إليها الغنوشي ونبّه إلى عدم التقليل من شأنها والتعامل معها على الرغم من عدم شعبيتها؛ فهي تبقى الحلقة الأهم والأخطر المهددة لفشل إدارة ما بعد الثورة.
ونحن نشاهد ما يحدث في مصر بسببها، حين تنجح بربط تحالفات سياسية وعسكرية، واستمالت قوى ثورية، إلي أي مدى من الفوضى الدموية قد تصل. وها هي مثيلاتها في تونس تجري مجراها، فتعلق كل تأزم للوضع على حزب النهضة. ولولا أن هذا الحزب لم يتقاسم السلطة مع شريكيه في الرئاسة وفي المجلس التأسيسي لكان الضحية المقبلة في مخاض ما بعد الثورة.