الإشهار التضليلي يفسد عملية البيع بـ”الصولد”
رغم الإجراءات والقوانين المعمول بها لتنظيم عملية البيع بالتخفيض، لايزال كثير من التجار يتلاعبون ويقدمون على سلوكيات احتيالية باتت معروفة للمستهلك، ما يجعل الإقدام على “الصولد” ليس بذلك الزخم المتوقع كل موسم. كما أصبحت البضاعة المحلية تنافس نظيرتها المستوردة من حيث غلاء الأسعار رغم تكلفتها “الزهيدة” في المصانع والورشات، بل ولا تستفيد من عملية “الصولد” لأسباب تصفها حماية المستهلك بـ”الواهية”.
تنطلق الفترة الشتوية لممارسة البيع بالتخفيض (الصولد) بدءا من 18 جانفي إلى غاية 28 فيفري 202، حسب إعلان وزارة التجارة الداخلية وضبط السوق الوطنية، داعية المتعاملين الاقتصاديين إلى اغتنام هذه الفرصة والمُساهمة الفعّالة في إنجاحها، ووجوب تطبيق أسعار مخفُضة وتنافسية، بما يسمح للمستهلكين الاستفادة من السلع بأسعار ترويجية ومخفضة.
والإشكال المطروح دوما في عملية البيع بالتخفيض، والذي لطالما تطرقت إليه جمعيات حماية المستهلك استنادا إلى شكاوى العديد من المواطنين، فبعض التجار يحتالون ويرفعون السعر بدل خفضه، أو يروجون لسلع غير مطلوبة أصلا في السوق أو يخفضون ثمن 1 بالمائة فقط من منتجاتهم، ومثل هذا السلوكيات جعلت إقبال المستهلكين على الشراء أثناء فترات التخفيض ليس بذلك الزخم المتوقع منه مقارنة بدول أجنبية. وأيضا بسبب إقبال الجزائريين على التبضع من الأسواق الشعبية، والتي باتت تنافس المحلات في انخفاض الأسعار والنوعية.
والجديد في سوق الملابس مؤخرا، هو دخول ورشات الخياطة المحلية على الخط، والتي باتت تنتج ما يناهز 70 بالمائة من احتياجات السوق المحلية، بل باتت أغلب معروضات ملابس المحلات حتى في الأحياء الراقية محلية الصنع، ومع ذلك يتجنب أصحاب المحلات بيع كثير من الملابس المحلية بالتخفيض، بحجة أن أسعارها منخفضة أصلا، في وقت تؤكد خياطات يشتغلن في هذه الورشات بأن تكلفة قطعة ملابس محلية زهيدة جدا.
وفي هذا الصدد، تكشف خياطة تشتغل بورشة في بوروبة ببلدية باش جراح بالجزائر العاصمة لـ”الشروق”، بأن خياطة خمار واحد للمحجبات يكلف في الورشة مبلغ 150 دج وتبيعه صاحبة الورشة في محلها المتواجد بحي راق بالعاصمة بمبلغ 1500 دج..! أما الأطقم النسائية والمكونة من سروال وقميص فتكلف في الورشة مبلغ 750 دج وتبيعها صاحبة المحل للمواطنات بـ3500 دج للطقم الواحد، وآخرون يدّعون أنها مستوردة بعد ما يلصقون عليها شارات مصنوعة في تركيا أو الصين.
وأكدت محدثتنا، أن صاحبة الورشة لا تبيع بضاعتها بـ”الصولد” في مواسم البيع بالتخفيض بحجة أنها صناعة محلية زهيدة الثمن..!
الخداع في البيع عقوبته غلق المحل أو التغريم
وفي هذا الصدد، يؤكد رئيس الإتحاد الوطني لحماية المستهلك، محفوظ حرزلّي في تصريح لـ”الشروق”، وجود تجار “غير نزهاء” يمارسون سلوكيات تجارية “غير قانونية” يتم رصدها في موسم انطلاق البيع بالتخفيض، رغم أن هؤلاء التجار “وحسب المفروض قانونا، يحوزون ترخيصا من مديرية التجارة لممارسة البيع بالتخفيض أو البيع الترويجي أو تصفية سلعة ما، ويقدمون ملفا يتضمن ثمن السّلعة الحقيقي وسعرها بالتخفيض” على حدّ قوله.
وحسبه، في البيع بالترويج، يكون التاجر ملزما بتقديم طلب لدى مصالح التجارة، ويقدم قائمة السلع المعنية بهذا البيع، ثم يضع لافتات ترويجية لبيع سلعته بأسعار تنافسية لجلب المستهلك. أما في البيع لتصفية سلعة معينة عند غلق المحل، فينظمها قانون خاص أيضا، ويتضمن ملفها تقديم فواتير السلع والسعر الحقيقي للبضاعة.
وبالتالي، يؤكد حرزلي، بأن جميع العمليات التجارية لديها قوانين تنظمها ويعاقب كل مخالف لها، سواء كانت ممارسات غير أخلاقية من طرف بعض التجار، والذين يعرضون السّلع على أساس البيع بالتخفيض أو الترويج أو حتى عن طريق التصفية، لكنهم لا يضعون السّعر الحقيقي مع السعر بالتخفيض، أو يُعلقون لافتة في الخارج لأسعار لبعض السّلع، ليتفاجأ المستهلك بوجود سعر غير معلن عنه في اللافتة الترويجية، وهذا نوع من الخداع، عقوبته في القانون الغلق الفوري للمحل أو تغريم صاحبه بمبلغ مالي.
ويضيف محدثنا “نحن كإتحاد وطني لحماية المستهلك، عند تلقينا شكوى من المستهلك، نباشر عملنا مع مديرية التجارة لذات الولاية للإعلام، ونرافق المستهلك في حالة تعرضه لضرر ما، مع وضع برنامج خاص للتوعية والتحسيس، وتنظيم جولات ميدانية للتقصي”.
وبدوره، أكد رئيس المنظمة الجزائرية للدفاع عن المستهلك “حمايتك”، محمد عيساوي في تصريح لـ”الشروق”، بأن وزارة التجارة ترخص ولمرتين في السنة بتنظيم بيع بالتخفيض للفترة الشتوية والصيفية، لخلق منافسة نزيهة وحركيّة في الأسواق ولاستفادة التاجر من بيع سلعته الراكدة، ومع ذلك “نتلقى كثيرا من الشكاوى عند انطلاق عملية البيع بالتخفيض” على حدّ قوله.
وأغلب الشكاوى التي يتلقونها، حسبه، متعلقة بالإشهار التضليلي، مثلا يعلن صاحب المحل عن تخفيض يتراوح بين 40 إلى 50 بالمائة، ليتفاجأ المواطن عند دخوله للمحل، بأن التخفيض طفيف جدا ولا يصل هذه النسبة، أو يشمل التخفيض طقما أو اثنين فقط.
ضرورة تنظيم نشاط ورشات الخياطة “السرية”
وبخصوص تجنب بعض أصحاب المحلات وضع تخفيض على الملابس محلية الصنع، بحجة أن أسعارها منخفضة، فيرى عيساوي، بأن تكلفة المنتج المحلي من الملابس في المصانع أو الورشات هو منخفض مقارنة بتكلفة اللباس المستورد من جمركة وأعباء شحن، وعليه “فالمنتج المحلي هو الأولى بعملية الصولد، تشجيعا لإقبال المواطنين عليه ولتعويدهم على ارتداء البضاعة المحلية، ما يساهم في تشجيع الإنتاج الوطني”.
ولفت محدثنا الأنتباه لمشكلة نشاط كثير من ورشات الخياطة “سرا” ومن دون حيازة سجل تجاري ولا ضرائب وبعمال غير مؤمنين اجتماعيا يتلقون رواتب زهيدة، ما يجعل أصحاب هذه الورشات يحققون أرباحا خيالية على ظهر الخزينة العمومية، “وهو ما يجعلنا ندعو إلى تنظيم نشاط هذه الورشات التي انتشرت بصورة رهيبة في مجتمعنا، وإدراجهم في السوق الرسمية وتمكينهم من امتيازات، تشجيعا لهم على الترويج للمنتج الوطني” على حد قوله.
وسانده رئيس الإتحاد الوطني لحماية المستهلك، محفوظ حرزلّي، الطّرح، معتبرا أن الانتشار “الكبير” لورشات غالبيتها غير قانونية لخياطة الألبسة عبر الوطن، والتي تسوق بضاعتها بطريقة ملتوية عبر أصحابها، لصالح محلات بيع الألبسة خاصة منها النسائية، وتتهرب من الضرائب والجباية، فهي تكبد الخزينة العمومية “خسائر كبيرة”.
وقال بأن أصحابها يمارسون سلوكيات احتيالية، ومنها تهربهم من التغطية الصحية والاجتماعية لعمالهم المقدرين بالعشرات في الورشة الواحدة، وهو ما يدخلهم آليا ضمن قوائم العائلات المعوزة لدى السلطات العمومية، رغم تلقيهم أجرا، ويستفيدون من هبات ومداخيل من الخزينة العمومية، بينما يستفيد صاحب الورشة من التهرب الضريبي.
وأكد المتحدث بأن الدولة تسعى جاهدة للحد من هذه الظاهرة التي لا تخدم الاقتصاد الوطني وتنهك كاهل العامل والخزينة العمومية، من خلال عمليات تفتيشية من طرف عدة قطاعات منها مفتشيات العمل ومديريات الضرائب، ومن خلال فرق الرقابة وقمع الغش.