الإمبراطور الصغير .. كيف يصنع الآباء طفلا طاغية؟
“فيا عجبا لمن ربّيت طفلا، ألقمه بأطراف البنان، أعلمه الرماية كل يوم، فلما اشتدّ ساعده رماني”.. الواقع، أن هذه الأبيات الشهيرة للشاعر معن بن أوس، تُعبر فعلا عن حال الكثير من الآباء مع أولادهم الذين سهروا على تربيتهم، فلما اشتدّت سواعدهم تحولوا لطغاة يُرهقون أهاليهم. وذلك ما يُعرف بمتلازمة الإمبراطور الصغير.
الأطفال الأباطرة
متلازمة الإمبراطور أو الطفل الطاغية. هي حالة سلوكية انتشرت في الصين بعد تطبيق سياسة الطفل الواحد الذي كان من البديهي أن يحظى باهتمام ودلال مبالغ فيه من قبل كل أفراد العائلة. الأمر الذي يُفسد طباعه. ويعود أصل تسمية هذه المتلازمة إلى أطفال الأباطرة الذين ينزعون إلى السيطرة على محيطهم. وبالتالي، فالطفل الإمبراطور أو الطاغية هي تسمية تُطلق على كل طفل يتسم سلوكه بالتسلط والعدوانية والدكتاتورية تجاه والديه أو تجاه كل من يتعامل معهم. فيعمد إلى الكذب والتمرد والعنف اللفظي والجسدي لفرض آرائه وتلبية رغباته. وتظهر هذه المتلازمة عادة على الطفل الوحيد أو أطفال العائلات الثرية الذين يحظون بقدر مبالغ فيه من الاهتمام والدلال المفرط وتلبية جميع متطلباتهم ورغباتهم، ما يُعودهم على الهيمنة لفرض أهوائهم على وُلاة أمورهم.
كيف ينشأ الدكتاتور المستبد؟
في علم النفس السلوكي تسمى متلازمة الإمبراطور الصغير اضطراب التحدي المعارض. ومن الأعراض التي تظهر على الطفل الطاغية: الأنانية، الاهتمام بمصلحته ونفسه فقط، انزعاجه وشعوره بالإحباط حينما ترفض طلباته أو يختبر تجربة حياتية لا تعجبه، عدم اعترافه بالخطإ وافتقاره للإحساس بالذنب أو الحب أو التسامح والتعاطف مع الآخرين. ويتمتع بالدهاء الكافي لجعله يدرك نقاط ضعف والديه فيستغلها لابتزازهم وتهديدهم. وقد تتطور به الأمور في مرحلة المراهقة لرفض أي قيود أو سلطة خارجية، ما قد يدفعه للاعتداء على ذويه. ورغم أن بعض الدراسات حاولت إيجاد أسباب جينية لمتلازمة الإمبراطور الصغير، إلا أنها في الحقيقة تعود لأسباب نفسية اجتماعية، جراء عجز الوالدين عن فرض الحدود ووضع القواعد الثابتة في أثناء تربية الطفل لكونه وحيد العائلة، أو لانشغالهم بالعمل وتوفير لقمة العيش.
الصغار بحاجة لضوابط وحدود
من الصعب على الوالدين تجاوز معضلة الإمبراطور الصغير. لكن الحل ليس مستحيلا وكل ما يحتاجه:
– وضع حدود واضحة وضوابط للطفل وعدم الاستجابة لكل رغباته وطلباته. إذ لابد له من أن يختبر بعض الإحباطات في حياته، ليفهم أن الحياة تتطلب جهدا واحتراما للآخرين.
-تكليف الطفل منذ نعومة أظافره ببعض المهام والمسؤوليات المتناسبة مع عمره، وتوزيعها على مدار اليوم وفق جدول زمني يُجبر على الالتزام به.
– عدم الانصياع لرغبات الطفل حين يدخل في نوبة غضب أو عنف مادي أو معنوي لمجرد اتقاء شره أو خجلا من ردود فعل الغير، لأن ذلك سيُعلمه ابتزازك عاطفيا.
-يجب على الآباء ممارسة سلطتهم على أولادهم دون الخشية من تجاوز ذلك لحدود الاستبداد. فلابد من عدم التساهل وإحكام السيطرة على الأطفال بذكاء واحتواء نوبات غضبهم وأخطائهم دون جعلهم مهيمنين على الأوضاع.
-إذا شعرت بأن طفلك يتجه نحو أن يغدو طفلا طاغية أو إمبراطورا صغيرا، فإن الأوان لم يفت بعد لاستدراك الوضع. ولا مناص من استشارة مختص نفساني لتدارك الوضع قبل تفاقمه.