-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
بين التأسف والحنين إلى زمن البساطة والنية ولم الشمل

الاستعراض والتبذير يقضيان على طقوس أعراس الزمن الجميل

صالح سعودي
  • 1109
  • 0
الاستعراض والتبذير يقضيان على طقوس أعراس الزمن الجميل

أبان الكثير من سكان الأوراس والشرق الجزائري بشكل عام عن استيائهم من الطريقة التي باتت تميز احتفالات الأعراس في السنوات الأخيرة، والتي طغت عليها حسبهم المزاجية والاستعراض ومظاهر الإسراف والتبذير في المأكولات والبارود والسيارات، ناهيك عن أجواء الصخب والفوضى في السهرات الاحتفالية المبرمجة، أو في “الكورتاجات” التي كثيرا ما تخلف حوادث مميتة.

يؤكد الأستاذ عيسى بلخباط في حديثه للشروق بأن الأعراس في منطقة الأوراس كانت في الماضي ذات طابع خاص يميزها عن غيرها في باقي المناطق، طابع الخصوصية يظهر في مجموعة من العادات والطقوس فكانت العروس تحمل على ظهر جواد مصحوبة فرقة من المناية الذين يرددون بعض الأغاني التقليدية على وقع طلقات بارود وعند وصول العروس يطاف بها بيت الزوجية وعند مدخله ترمى عليها الحلوى والتمر ترافقها أغاني النساء وزغاريدهن وهو طقس رمزي تيمنا بالحياة الحلوة السعيدة وترتدي العروس عادة الملحفة الشاوية التي تميز المنطقة و عادة ما تستغرق أعراس الشاوية فترة زمنية تتراوح بين أسبوع وأسبوعين تتخللها سهرات غنائية يحيبها أقارب العريس وجيرانه. فكان عرس الشاوي مناسبة لا يمكن التمييز فيها بين الغني والفقير فالجميع يتعاون ليكون الحدث في مستوى التطلعات. وفي وقتنا الحاضر اندثرت الكثير من هذه العادات وصارت أعراس الشاوية لا تختلف كثيرا عن باقي الأعراس في القطر الوطني إذ اختفت الملحفة الشاوية واختفت معها باقي العادات وعوض الجواد بالسيارة و انحصر مدة العرس في يوم أو يومين على الأكثر، والسبب يعود في الأساس لمجموعة من العوامل نحصرها فيما يلي: التأثير الكبير لوسائل الإعلام، إضافة إلى الحياة المتمدنة التي نعيشها اليوم قياسا بالحياة الريفية التي كان يعيشها أباؤنا وأجدادنا، التقليد الأعمى للغرب إذ صارت أعراسنا لا تختلف عن الأعراس الغربية إلا في تفاصيل صغيرة. ما يمكن تلخيصه مما تقدم هي أعراسنا بالأمس كان لها ذوق وطعم خاص بقي خالدا في أذهان من عايشوها، أما أعراس اليوم فهي فاقدة لروحها وهويتها وحتى للطابع العفوي إذ صارت مناسبة يغلب عليها البريستيج الاجتماعي واستعراض الماديات.

“الكات كات” تزيل “الكات سانك باشي” في زمن الاستعراض والتبذير

ويرى العديد ممن تحدثوا لـ”الشروق”، بأن هناك فروقا جوهرية في أعراس الأوراس والشرق الجزائري بين الماضي والحاضر، معتبرين بأن توفر الإمكانات المادية لم يضمن الارتياح النفسي، بسبب التبذير والبهرجة والمبالغة في الشكليات، ما جعل الكثير يحضر الأعراس بغية القيام بالواجب، وليس من باب الاستمتاع بالجلسات الأخوية المريحة التي أصبحت حسبهم في حكم الماضي. ولم يتوان “محمد س” في القول “ليتها تعود أعراس أيام زمان لاستعادة ذكريات الفرحة الحقيقية والطمأنينة النفسية، لكن ذلك يبقى مجرد أمنية”، فيما أوضح عادل ب بالقول: “الآن أصبح عهد قاعات الحفلات والدعوة بالبطاقات والرسائل الهاتفية، عيش تشوف، بصراحة اشتقت للحياة البسيطة وأهواها كثيرا”، أما فاروق س فأكد بأن الإمكانات موجودة لكن الإشكال في غياب المودة والرحمة، ويرى ساعد بأن الذين ربحوا فعلا هم الذين نجحت أعراسهم وحياتهم بطرق بسيطة، فيما تساءلت أميرة “أين تلك الأيام حين كانت تقام الأعراس فوق السطوح”، كما وصل أحد محبي الزمن الجميل إلى قناعة بأن زمن الكات سانك باشي أجمل وأفضل بكثير من زمن “الكات كات”. أما “موسى ف” فقال “ليت ذلك الزمن الجميل يعود، حين كنا نعرف الشيخ من الشاب والرجل من المرأة والفرح من المأتم”. من جانب آخر، فقد عبر “عمار ع” عن مشاعره ل”الشروق” بكلمات تجمع بين التأثر والحسرة، حيث قال في هذا الجانب: “نحن بعيدون عن تلك التقاليد الجميلة التي ورثناها وعايشنا البعض من لحظاتها الرائعة”، مضيفا بأنه في ذلك الزمن الجميل كانت للغة التكافل الاجتماعي معاني عدة، ولروح وحدة صف العائلة الكبيرة في مثل هذه المناسبات أجمل صورة، ليختم قوله بعبارة “في هذا الزمان راح الخير وراح الشان.. البركة دارت جنحان.. عيش تشوف”.

أعراس بنصف مليار بسبب المزايدات وكراء القاعات

أقدم العديد من أعيان الأعراش التابعة لمنطقة الأوراس على اتخاذ قرارات تقضي بضرورة تخفيض تكاليف الزواج إلى 20 مليون، وهذا خلال الاجتماعات التي تمت في ولايات باتنة وخنشلة وتبسة وغيرها، وهذا بنية التقليل من تكاليف الأعراس التي ارتفعت إجمالا إلى أكثر من 100 مليون، بل تصل أحيانا نصف مليار سنتيم بسبب التبذير والإسراف والمغالاة واللجوء إلى كراء القاعات، ما يخلف تكاليف وتبعات تكلف الكثير على أهل العريس بالخصوص. ولم يجد أعيان العديد من أعراش مختلف مناطق الأوراس حلا سوى التدخل لتقنين تكاليف وشروط الزواج، خاصة في ظل ظاهرة الإسراف والتبذير والمغالاة في الشروط، ما تسبب في العزوف عن الزواج، وانتشار ظاهرة العنوسة لدى الجنسين، وما ينجر عن منه متاعب تنعكس سلبا على المجتمع. وقد خلص اجتماع أعيان عرش بني بوسليمان بباتنة إلى عدة قرارات ونتائج، من ذلك تحديد جهاز العروس ب 5 ملايين سنتيم، أما المهر فقد قدر ب مليوني سنتيم، في الوقت الذي لا تتعدى قيمة الذهب 6 ملايين، أما الخاتم فحددت قيمته ب 3 ملايين، والشاة المقدمة لأهل العروس يومين قبل موعد العرس فلا تتعدى مبلغ 4 ملايين سنتيم، كما أكد المجتمعون على ضرورة تسديد تكاليف الزواج دفعة واحدة بشكل وليس بالتقسيط. وعلى ضوء هذه الخطوة فقد تم تخفيض تكاليف الزواج إلى 20 مليون سنتيم، وهذا بعدما شهدت ارتفاعا في السنوات الأخيرة بسبب المغالاة في المهور، وهو الإجراء الذي سار على نهجه أعيان عديد الأعراش التابعة لولايات الأوراس، على غرار ما حدث في باتنة وخنشلة وتبسة وغيرها من المناطق التي تسعى إلى ضبط الأمور والتقليل من حدة التجاوزات الحاصلة، بسبب المغالاة والمباهاة والتقليد السلبي الذي يخرج دائرة الزواج عن سكته الصحيحة.

عدم احترام وثيقة الأعيان يخلط الكثير من الحسابات

وإذا كان أعيان عرش بني بوسليمان بباتنة، على غرار بقية أعراش دائرة آريس المطلة على الوادي الأبيض يسعون في كل مرة إلى تحيين الوثيقة التي تحدد شروط وتكاليف الزواج وتنظيم الأعراس، إلا أنها تبقى في نظر الكثير مجرد حبر على ورق، ولا تعرف حسبهم تجسيدا فعليا، بسبب المزايدات والاختلاف الحاصل في وجهات النظر، وهو الأمر الذي يحول دون التوصل إلى إجماع يراعي مصالح شباب المنطقة الذين لم يخفوا استيائهم من ارتفاع شروط الزواج وتكاليف الأعراس، بسبب المغالاة في البذخ والمبالغة في التبذير، فيما انتقد البعض الآخر قرارات الأعيان الذين لم يراعوا حسبهم المستوى المعيشي لسكان المنطقة، مثلما ذهب إليه شباب منطقة تكوت الذين كانوا قد طالبوا بتخفيض قيمة المهر والصداق إلى 10 أو 12 مليون، على غرار ما قام به شيوخ وأئمة عين التوتة العام الماضي، وكذا بعض مناطق ولاية خنشلة، في الوقت الذي دعا البعض إلى إشراك ممثلين عن الشرائح الشبانية لطرح انشغالاتهم في هذا الجانب، مادام أن الأمر يعنيهم أكثر من أي طرف آخر حسب قولهم.

كراء القاعات والمغالاة جعل تكاليف الأعراس في المزاد

من جانب آخر، فقد أجمع البعض من العارفين بسير الأعراس في منطقة الأوراس على حدوث ارتفاع واضح في تكاليف الزواج، ورغم أن الكثير من أعيان المنطقة قد حددوا سعر المهر والصداق في حدود 20 مليون سنتيم، إلا أن المعطيات الحالية تشير إلى بلوغ التكاليف الإجمالية للزواج إلى أكثر من 100 مليون سنتيم. وأرجع البعض السبب إلى التفاصيل والشروط الجزئية غير المصرح بها في الوثيقة الصادرة عن أعيان الأعراش، ما يزيد من متاعب الشباب الراغب في إتمام نصف دينه، ناهيك تكاليف الوليمة والعرس، وكذا المساعي الرامية إلى توفير منزل مستقل وتجيزه بكافة الضروريات، وهي المتاعب نفسها التي تلاحق مختلف المناطق التابعة لباتنة وخنشلة وتبسة وبسكرة وسوق أهراس وغيرها، كما لم تشذ الأعراس في القرى والبلديات عن هذه الظاهرة، خاصة إذا تم إقامة الأعراس في قاعات الأفراح، ما يزيد في مضاعفة التكاليف، بشكل ينعكس سلبا على ذوي الدخل المتوسط والضعيف.

بورصة حقيقية في المراحل الموالية

وحسب بعض الذين تحدثوا لـ”الشروق”، فإن تكاليف الشطر الأول لا تقل عادة عن 35 مليون، بحكم أن مراسيم الخطوبة تقدر في أفضل الحالات بـ 6 ملايين بين خاتم بحوالي 2 مليون وفستان في حدود مليون ونصف المليون، إضافة إلى العطور والحلويات وغيرها من البروتوكولات المصاحبة لعملية الخطوبة، أما المهر والصداق فقد يكلف العريس في حدود 22 مليون سنتيم، مضافا إليه تكلفة الشاة المقدمة لأهل العروس، والتي لا تقل عن 4 ملايين سنتيم، فيما قد تزيد متطلبات العرس عن 40 مليون، من وليمة وموكب ومائدة عشاء خاصة للأصهار، يضاف إليها مليوني سنتيم تكلفة الفستان الأبيض الخاص بالعروس وتكاليف الحلاقة، خاصة أن كل هذا يكون ميدانيا على عاتق الزوج، يضاف إلى ذلك تكاليف ناجمة عن عادات قديمة، مثل المشي على البرنوس، وتقديم 2000 دينار لأخ العروس عند خروجها من بيتها، وهو ما يجعل التكاليف العامة للأعراس بمناطق آريس وغيرها من بلديات باتنة وولايات الأوراس لا تقل عن 100 مليون سنتيم، ولو أن الأمر خاضع لارتفاع قياسا بمنطق البورصة الذي يمارسه البعض في المراحل التي تلي الشطر الأول من التكاليف. وخلص الكثير من المواطنين وأعيان الأعراش إلى ضرورة إعادة النظر في مختلف الشروط التي باتت تمارس في الأعراس بطريقة تخلف الكثير من التساؤلات، خاصة وأن الغرض من الزواج حسب قولهم هو إقامة بيوت جديدة على سنة الله ورسوله، كما أن الزواج يفترض ألا يكون مجالا للمضاربات والمزايدات في الشروط والتكاليف، وهذا من باب تسهيل مهمة الشباب في إتمام نصف دينهم، وهو الإجراء الذي يتطلب حسبهم التعامل معه بجدية لوضع حد لمختلف الممارسات السلبية التي تزيد من حدة المزايدات التي تثقل كاهل العريس وتغرقه في الديون تلازمه لسنوات عديدة بعد الزواج.

أعراسنا فقدت هويتها وقلق من تزايد حالات الطلاق

ويجمع الكثير من المتبعين بان أعراسنا فقدت الكثير من هويتها مقارنة بالسابق، خاصة في ظل البهرجة والتأثر بكل ما هو شرقي أو غربي، ما جعل الكثير من الأعراس يطغى عليها صخب مدرجات الملاعب ومنطق جماهير الكرة والفن، ناهيك عن التهور الذي كثيرا ما خلف حوادث خطيرة وأخرى مميتة بسبب مضاعفة السرعة أثناء قيادة قوافل السيارات أو خلال الاستعراض بالبارود والألعاب النارية وغيرها، وفي هذا الجانب يقول الدكتور إبراهيم بوزيد، وهو أستاذ بقسم علم الاجتماع بجامعة ام البواقي بأن الطقوسية وطرق التعبير عن الأفراح هي عادات متوارثة تعبر عن اللاشعور الجمعي وتقاليد معترف بها نتمثل من خلالها ماضينا وتمنياتنا المستقبلية بل فيها من الاحترام وتقدير خصوصيات الآخرين فلكل عائلة تقاليدها وطقوس أعراسها (اعتراف بان المرأة بأصولها)؛ لكن حسب محدثنا فإن ما نراه اليوم من تغير لطرق إجراء هذه الأفراح التي غلب عليها الطابع المشرقي والمغربي وهي عين التعبير عن مشاعر العجز والغلبة، فهي دليل عن تراجع التمسك بالخصوصيات والحنين وتقديس موروثنا التاريخي الذي رضعناه من ثدي ماضينا، واصفا ذلك بأنه مؤشر على خطر فقدان الهوية حتى في التعبير عن حاجاتنا وأفراحنا، مضيفا بالقول “إنه ليس مجرد سلوك بسيط بل هو التراجع القيمي والعرفي الذي هو نمط الاتصال الاجتماعي، والدليل على هذا التراجع ضعف الاتصال الاجتماعي القائم على احترام خصوصيات الآخر، وقد يكون عاملا لا شعوريا يمكن اعتباره من عوامل الطلاق الخفية”. وفي السياق ذاته يؤكد الشيخ أحمد رزيق (إمام بمسجد أولاد جحيش ببيطام ولاية باتنة) أنه لا مجال للمقارنة بين أفراح الأمس وأعراس اليوم، وقال في هذا الجانب: “بالأمس كانت أفراح بمعنى الكلمة رغم البساطة في كل شيء مقتنعين تماما أن أقلهن مهرا أكثرهن بركة، وفعلا كانت البركة في المهر وفي الطعام وفي الضيوف، ناهيك عن الحشمة والحياء والاحترام والكلمة والقرار بيد كبير العائلة، فنجد من بركة ذلك الزواج أن الأسرة الواحدة تنجب أكثر من عشرة أطفال دون متابعة طبية ودون الذهاب إلى المستشفى، أما اليوم انقلبت الموازين تماما رفعت الحشمة وذهب الحياء أصبحت الكثير أعراس اليوم مخالفة لأعرافنا وثقافتنا ولديننا من البداية إلى النهاية”، بل أصبحت حسب قوله تقليد لما تبثه قنوات الغرب حتى أصبحت عادات من الصعب التنازل عليها رغم أن الكثير منهم غير راض ومقتنع تماما أنها ليست من ديننا في شيء، وخير دليل عدد حالات الطلاق لسنة 2021 التي بلغت أرقاما قياسية (100 ألف حالة طلاق..)، ويرى الشيخ أحمد رزيق بأن الحل يكمن الرجوع إلى تعاليم ديننا الحنيف وعاداتنا وثقافتنا التي كان عليها أجدادنا.

وإذا كانت الأعراس في وقتنا الراهن قد فرضت نمطا معينا طغت عليه الماديات والشكليات، من خلال كراء قاعات لهذا الغرض، وطغيان الاستعراض في السيارات والأكل والملبس والبارود، إلا أن الكثير لا يزال يشده الحنين إلى زمن البساطة والنية ولم الشمل، حين كانت تقام الأعراس في أجواء هادئة بمختلف مناطق وقرى الأوراس، وكانت تنظم برزانة، تحت إشراف رجال والنساء من أهل الحكمة والخبرة، ما يجعل الجلسات المقامة تضفي الكثير من الراحة والأخوة والاشتياق إلى اللقاء بين الأقارب والأحبة، يحدث ذلك رغم البساطة في الأكل ونوعية السيارات التي تتقدمها “الكات سانك باشي”. وقبل ذلك كانت تنقل العروس على متن فرس أو حصان من منزل أهلها إلى بيت زوجها، عبر قافلة تجمع بين النسوة والرجال الذين يواكبون المسيرة في هدوء واحترام، مع امتزاج الزغاريد بطلقات البارود من حين إلى آخر، لإعطاء البعد الاحتفالي للعرس بشعار “لا إفراط ولا تفريط”.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!