-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الانتقاص يبدأ من الأطراف

عمار يزلي
  • 72
  • 0
الانتقاص يبدأ من الأطراف
ح.م
تعبيرية

قوانين التطور والنشوء والارتقاء، تقرّ أن الانتقاص والانكماش والنكوص قوانين طبيعية فيزيقية وأيضا روحية: كل شيء يبدأ كما يبدو مركزيا، ثم ينتشر ويتطور ويتوسع إلى الحد الأقصى من قدرته على ذلك، إلى أن تبلغ الذروة مداها، فيبدأ العد التنازلي وتبدأ عجلة النكوص في الدوران عكس عقارب الساعة: يبدو الأمر يشبه التوقف عن التطور، يسمونها أحيانا “مرحلة السكون”، فيما يسميها البعض مرحلة “الجمود”، أو”البطء” في النمو، سرعان ما تنتهي ببداية ارتكاس ونكوص، لتنتهي بالعودة إلى مرحلة البدء: “كما بدأكم تعودون”، (الأعراف/29).
ينطبق هذا على كل الكائنات الطبيعية الحية والمادية، كما ينطبق على الكون بأكمله، وعلى الأرض ككوكب: “أولم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها..”، (الرعد/41). يبدأ التقلص والتراجع ثم التوقف فالتخلف في المحصلة ضمن قوانين نشوء وتطور الأمم والإمبراطوريات عبر التاريخ: الدورات التاريخية تختلف، وهي أكثر من دورة واحدة، فهي دورات إما طويلة الأمد أو متوسطة أو قصيرة أو قصيرة جدا، حتى أننا لا نكاد نشعر بهذه الأخيرة مع أنها تحدُث يوميا وشهريا في كل كائن وحتى في المجتمعات.

الدوراتُ الكبرى تقاس أحيانا إما بألف سنة، وكانت، بحسب بعض المعتقدات الدينية حتى في الإسلام، تنتهي بحدوث تغير كبير يفضي بظهور نبي أو رسول ليعيد التوازن إلى المجتمعات والدنيا. كما أن هناك دورات تاريخية متوسطة، مدتها 100 سنة، والتي تعادل نحو جيلين في علم اجتماع ابن خلدون، حتى أننا نجد الحديث النبوي الشريف يشير إلى “أن الله يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها”.

كما توجد دورات صغرى، كونية وتاريخية ضمن “ناموس” الخلق والكون، تقدر بـ70 و40 سنة، ثم دورات أصغر بكثير تقدر بـ10 و7 و4 سنوات، وتكون في العادة دورات “انتقالية” تفصل بين مرحلة متوسطة وأخرى، كالانتقال من جيل إلى جيل: جيل 40 سنة، عندما ينتقل إلى الـ40 سنة الموالية، يكون الفاصل بينهما مرحلة انتقالية تدوم 4 و7 حتى 10 سنوات، وهكذا دواليك عند الانتقال من دورة متوسطة من صنف 100 سنة إلى الـ100 سنة الموالية، تكون فيها مرحلة الانتقال أو الدورة الاجتماعية والتاريخية أكبر قد تدوم لفترة أطول ما بين 10 إلى 40 سنة.
هذه الأرقام ليست دقيقة بالمعنى العلمي والرياضي، لكنها تلاحَظ تاريخيا ويمكن أن نستدلّ بها، كما فعل ابن خلدون في الاستدلال على عمر الدولة في المغرب العربي والمقدّرة بثلاثة أجيال: 120 سنة. عندها قد تجدد الدولة نفسها وتتغير بشكل كبير لكن دم السلالة الحاكمة قد يبقى، إنما ينتقل موقع القوة إلى أجيال جديدة من السلالة نفسها إلى أن تسقط بعد ضعف وتُستبدل بسلالة دم جديد ونظام اجتماعي وسياسي مغاير وعلى طرف نقيض.
تاريخيا، لم تعمّر الإمبراطوريات أكثر من ألف عام، بكل سلالتها المختلفة والمتصارعة والمتحاربة قبل أن تضعف وتسقط على يد قوة خارجية: الإمبراطورية الفارسية، والإغريقية الرومانية، وإمبراطوريات الصين واليابان، وقبلهما الحضارة السومرية والأشورية وحضارة ما بين النهرين…
ليس هناك عمر افتراضي للأنظمة، لكن هناك قانون التناقص والتآكل مفاده أن بعد كل قوة وتوسع، يأتي زمن الانتقاص الذي يبدأ من الأطراف: تُشلّ الأطراف وتضعف، ثم يبدأ الانكماش والضعف ثم التوقف عن النمو ثم الموت البطيء. هذا لن يحدث بين عشية وضحاها، بل على مرّ الزمن الذي يقلّ أو يكبر بحسب متغيرات لا حصر لها، ونحن نعيش بداية هذا التقلص عالميا اليوم.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!