-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الباك لإطارات “العلم والمعريفة”

عمار يزلي
  • 1004
  • 0
الباك لإطارات “العلم والمعريفة”

لأن المجتمع السياسي عندنا أوجدته ظروف غير طبيعية، بدأت من حرب التحرير التي أطرها مثقفون سرعان ما عصفت بهام أيادي القوة غير الناعمة، مما مهد لسلطة قائمة مازالت إلى اليوم قاعدة! قوة، تأسست على قوة الحديدة وليس على القوة العقل والعقيدة. هذا ما أخر العمل بالعقل عندنا إلى أجل مسمى، وأعطيت الأهمية القصوى للمادة غير العلمية والثقافية على حساب العلم والثقافة. لهذا نرى المثقفين منقسمين إلى ثلاث طوائف: طائفة قوم تبع، يتبعون السلطة أينما حلت وارتحلت ويأتمرون بأوامرها وينتهون بنواهيها، حتى لو كانت صادرة من مصدر موثوق الجهل والأمية! يدافعون عن الجهل المركب باسم الثقافة والعلم وهم يعلمون أنهم مجرد أداة في يد من لا أداة علمية له ولا شهادة إلا شهادة الميلاد رقم 12! طائفة ثانية، وهم قوم خنع ركع، يعلمون ويعرفون ولكن لا يعملون! قابلون بالوضع القائم، لأنهم يرون في السلطة أنه لا قبل لهم بها! وطائفة ثالثة، تناضل من أجل استقلالية موقف المثقف والفكر، لا يدخلون اللعبة السياسية، ويمارسون حقهم في الدفاع عن شرف كلمة “مثقف” التي لا تنطبق مع الأسف على كل من يحمل شهادة!

السلطة عندنا إذن انبنت على الأمية باعتبار أن من قاموا بالثورة هم الفلاحون والبسطاء والأميون! هذا ما تسوقه الآلة الإيديولوجية الشعبوية السياسية، نافية بذلك أن يكون للمثقف أي دور في ثورة التحرير. وهو موقف سياسي من بعض زعماء حزب الشعب في اللجنة المركزية الذين فضلوا الانتظار خوفا من الانهيار، فصار موقف المثقف لدى جماعة ما بعد اللجنة الثورية للوحدة والعمل والمنظمة الخاصة، موقفا سلبيا، وإن وجد موقف إيجابي تجاه بعضهم، فكان من واجبهم أن يخضعوه لرأي وموقف العامة! هكذا كانت مسألة ما عرف بأولوية العمل الداخلي على الخارجي (أي تقديس العمل المسلح على العمل الفكري والدبلوماسي). بعدها، جاء مؤتمر طرابلس، ثم مؤتمر الجزائر الذي كرس هذا الموقف السياسي للطبقة الحاكمة من المثقفين، لاسيما بعد أحداث 19 ماي، حيث صار يخشى على الثورة تحولها باتجاه اليسار الذي كان اتحاد الطلبة المسلمين يقال أنهم كانوا عليه.

كل هذا جعل من المثقفين بعد الاستقلال مجرد كتاب وأدوات كتابة تقارير وإداريين ومسيرين لصالح عناصر لا تعرف أحيانا لا القراءة ولا الكتابة. يكفي أن يكون لديهم “سجل تجاري” في الثورة! ليكونوا هم أهل الحل والربط. حتى الحكومات المتعاقبة لم يكن عناصرها ذوي خبرات علمية بقدر ما أرغموا على التعلم ميدانيا من خلال الأخطاء! أي جرب واخطأ، أحسن من ألا تجرب فلا تخطأ! لهذا كثرت تجاربنا وتعاظمت أخطاؤنا! والمصيبة أننا لا ننتقد بعضنا البعض ولا أحد أيضا قام بنقد ذاتي رغم بعض الشعارات في السبعينات التي كانت تحكي عن النقد والنقد الذاتي والنقد البناء!

أتحدث عن هذا الموضوع من باب البكالوريا، التي صارت فاكهة ترمى على قارعة الطريق بعد نهاية السوق الأسبوعية! امتحانا أعرج أعوج مخيف وهو لا يخيف.

أمام هذا الموقف، وجدت نفسي ومن أجل رفع مستوى التكوين العلمي والثقافي لإطارات الدولة، أقدم مشروعا رفض من طرف البرلمان والحكومة وفرضته بمرسوم! القرار يقضي بأن يجتاز كل إطار في الدولة وفي أجهزتها من الرئاسة إلى البلدية امتحانا يسمى “بكالوريا مهنية” تكون بنفس المستوى لدى طلبة السنة ثالثة ثانوي آداب، وهذا لتسهيل الأمور عليهم! فأنا أعرف أنه لن ينال أحد منهم الباك علمي أو رياضي!

ما إن صدر القرار حتى بدأت تتشكل أحلاف و”حلاليف” من هنا وهناك من أجل فرض طريقة معينة للإشراف على وضع الأسئلة والحراسة والتصحيح والمداولات وإعلان النتائج! قامت أحزاب كثيرة ومنظمات ودواوين وهيئات بالتحرك سريعا، لأن هذا يعنيها، بل مسألة مصيرية، خاصة وأن القرار كان يقول: كل من لا يملك بكالوريا 2016، مهنية أو مدرسية، لا يمكنه أن يبقى في منصبه، حتى أصحاب الباك بالمراسلة.. لأن كثيرا منهم وظفوا “بالمعريفة”! هذا القرار أغضب كثيرا جدا أصحاب الباك المزور، وزعموا أنهم دخلوا بكفاءاتهم: فهم ولاة الآن ووزراء ومديرون مركزيون ومسيرون كبار ورؤساء لجان التنمية والتعليم والتكوين والتعليم العالي والثقافة الفن!

قامت جميع الهيئات وبدون أن يطلب منها ذلك رسميا، بالتحضير لهذا الامتحان “المهرجان” الوطني المهم الذي يدل على رغبة الدولة في غرس نظام مبني على الكفاءة والعلم والثقافة وليس على التشيبا والمحاصصة الفئوية والجهوية والزبائينة المصلحية… كلهم كانوا يقومون بنفس العقلية الانتخابية في تسيير امتحان، أملا في التغلغل في النسيج العام لتحضير الامتحان من أجل التمكن من تزوير النتائج! وهذا هو الهدف! فمن خلال “مناعة العقلية التزويرية المكتسبة”، يمكنهم أن يسيروا كل شيء بنفس هذه العقلية، غير أني فاجأتهم بامتحان يشرف عليه ويسيره من أوله إلى يائه وإلى غاية إعلان نتائجه، خبراء دوليون لا يعرفهم أحد إلا أنا! اخترتهم بالأسماء لنزاهتهم ونزاهة مواقفهم العالمية. وفي اليوم الموعود، كان الكثير منهم يدخلون الامتحان الذي أجري في مخيمات صحراوية نصبت لهذا الغرض خصيصا. ثلاثون في المائة لم يدخلوا الامتحان وفضلوا أن يستقيلوا من مناصبهم لما رأوا بأن خيوط اللعبة قد هربت من بين أيديهم وأنه لا سبيل للنجاح! والانسحاب أحسن من الفضيحة بأنهم لا يملكون مستوى اصلا، ثم فضيحة فشلهم المعلن، ثم فضيحة تسريحهم! فهم في الأصل خريجو السنة أولى والثانية ابتدائي! أحسنهم وصل إلى السيزيام وخسر فيه بامتياز! فلم يجد سوى العمل “بالمعريفة” فعمل في السياسة ليصبح آمرا ناهيا.. معلما.. مفتيا.. سيدا حميدا!


النتائج كانت مخيبة لآمال الكثير! فقد نجح فقط 15 في المائة، فيما حصل الباقون على معدلات تحت المعدل بعدة معدلات!: 20 في المائة، ردوا الورقة فارغة إلا من توقيعاتهم التي تعلموها دون معرفة الكتابة!  أوراق فارغة باعتبار الرؤوس فارغة. 30 في المائة من الساقطين في الامتحان، نقلوا أجوبة عن من كانوا بجوارهم  غشا وتدليسا وسرقة، بما ذلك أسماء أصحابها! لكن اللجنة عرفت من هم الناقلون (الخواص) الذين نقلوا عن المنقول عنهم من العوام! الغريب أن معظمهم كانوا من “وزارة ومديريات النقل”! والقلة القليلة من حصل على نصف المعدل العام وهذا من أصل 721 ألف “إطار” دخل المسابقة في هذا الإطار!.. طار الكثير منهم وعوضوا بمهارات من حملة الباك منذ 20 سنة وهذا بتوصية من الخبراء الدوليين.

كنت آخر واحد يدخل الامتحان، لكن لكي أكون شفافا، فضلت الدخول مع تلاميذ الثانوية قسم لغات. فحصلت على الباك بدون عناء ولا تدخل ولا “معريفة”، ولله الحمد ولهذا سأبقى في منصبي، ولو خسرت لكنت قد استقلت بناء على رغبة المجتمع الدولي وفرنسا وأمريكا بالذات في رفع المستوى التعليمي والثقافي لإطارات “العلم والمعريفة” باللغة الأجنبية!

مقالات ذات صلة
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!