-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البحث العلمي بين الأمس واليوم

البحث العلمي بين الأمس واليوم

يُمنح أعلى وسام عالمي في مجال الرياضيات، وهو ميدالية فيلدز، من قبل الاتحاد العالمي للرياضيات، الذي تأسس سنة 1920. وتُمنح هذه الميدالية مرة كل أربع سنوات خلال المؤتمر الدولي للرياضياتيين، وهو أكبر تظاهرة علمية في عالم الرياضيات. وقد انعقدت الدورة الأخيرة لهذا المؤتمر سنة 2022 بفنلندا، فيما ستُعقد دورته المقبلة في أواخر شهر جويلية من هذا العام بالولايات المتحدة. ويشبه هذا المؤتمر، من حيث دوريته ومكانته لدى الرياضياتيين، كأس العالم لكرة القدم؛ إذ يُنظم مرة كل أربع سنوات، ويحضر فعالياته آلاف الباحثين من مختلف أرجاء العالم.

يوسف سعد

تضم قائمة المدعوين لإلقاء المحاضرات في دورة هذا العام نحو 10 محاضرات رئيسية، تدوم كل واحدة منها ساعة كاملة، إلى جانب ما يقارب250 محاضرة متخصصة تُقدَّم بالتوازي، وتستغرق الواحدة منها 45 دقيقة، ويقدم كل هذه المحاضرات نخبة من أبرز الباحثين في الرياضيات عبر العالم. ومن اللافت للنظر أنه، ضمن هذه الكوكبة الرياضياتية، لا نجد سوى باحثيْن اثنين أصلهما من العالم العربي يعملان بالولايات المتحدة: أحدهما من أصل مصري، وثانيهما من أصل جزائري، وهو يوسف سعد. ذلك هو محلنا من الاعراب في هذه التظاهرة العلمية.

والمفارقة أن عالم الرياضيات ألكسندر غروتنديك (1928-2014)، الذي عُرف بعدم اكتراثه بالمكافآت والجوائز والأوسمة والتشريفات، وبنزوعه الدائم إلى الابتعاد عن الأضواء والمؤسسات الرسمية، كان أحد الذين نالوا هذه الميدالية المرموقة سنة 1966. فقد مُنح ميدالية فيلدز، التي تمثل ذروة الاعتراف العلمي في الرياضيات، لكنه امتنع عن استلامها رافضا آنذاك السفر إلى موسكو احتجاجا على تعامل النظام السوفييتي وقتئذ مع بعض رجال الفكر. كما كان له موقف غير منتظر إزاء جائزة كرافورد السويدية تبلغ قيمتها نحو 850 ألف دولار، عندما تم إشعاره بأنه فاز بها عام 1988. فقد بعث حينها برسالة إلى أكاديمية العلوم السويدية سنة 1988، تجد أدناه ترجمتها التي قمنا بها قبل ربع قرن، لما تحمله من وصف دقيق للبحث العلمي في الرياضيات وأهلها في تلك الحقبة، ولما تعكسه من مكانة رفيعة لعفة صاحبها ونبله الفكري. فقد كان صاحب رسالة علمية استثنائية رغم أنه عُرف بطفولة تعيسة وبشيخوخةٍ أكثر قسوة وأشد عزلة:

نص الرسالة

“عزيزي الأستاذ تورد غَنليوس Ganelius [الأمين الدائم للأكاديمة الملَكية السويدية للعلوم]

أشكركم على رسالتكم المؤرخة في 13 أبريل 1988 التي استلمتها اليوم، كما أشكركم على برقيتكم. إني لأشعر بالتقدير الذي شرفتني به أكاديمية العلوم السويدية عندما قررت منحي جائزة كرافورد لهذه السنة -مقرونة بمبلغ مالي معتبر- بمعية بيير ديلينيه Deligne (الذي كان أحد تلاميذي). إلا أني آسف لإشعاركم بأنني لا أودّ استلام هذه الجائزة (ولا أية جائزة أخرى) وذلك للأسباب التالية:

1. إن راتبي الشهري كأستاذ، حاليا، وكذا مرتّب التقاعد الذي سأتقاضاه ابتداء من شهر أكتوبر القادم، يغطي أزيد من حاجياتي المادية وحاجيات من هم تحت كفالتي. وبالتالي، فأنا لست بحاجة إلى مال. أما فيما يخص الامتياز الذي منح لبعض أعمالي الأساسية فإني متيقن بأن المحكّ الحاسم الوحيد لخصوبة الأفكار أو لرؤية جديدة هو الزمن. ويتعرف الإنسان على الخصوبة بالذرّية التي تنجب وليس بالتشريفات.

2. ومن جهة أخرى، فإني ألاحظ بأن الباحثين من الدرجة الأولى الذين تتوجّه إليهم جائزة كبيرة – كجائزة كرافورد- يتمتعون جميعا بمكانة اجتماعية مرموقة توفر لهم رخاء العيش والشهرة العلمية، إضافة إلى السلطات والصلاحيات التي تمنحها إياهم هذه المكانة. أليس من الواضح أن الوفرة المفرطة لدى البعض لا يمكن أن تتحقق إلا على حساب ضروريات ومستلزمات البعض الآخر.

3. إن الأعمال التي جعلتني موضع الاهتمام الكريم للأكاديمية السويدية يرجع تاريخ إنجازها إلى 25 سنة خلت، إلى عهد كنت أنتمي فيه إلى الوسط العلمي وأشاطره فكره وقيمه. لقد انفصلتُ عن هذا الوسط سنة 1970، بدون أن أتخلى عن هوايتي في البحث العلمي، بل ابتعدت داخليا عن وسط العلميين شيئا فشيئا. والذي حدث خلال العشرين سنة الماضية هو تردّي أخلاق المهنة العلمية (بين الرياضيين على الأقل) إلى درجة أن السرقات المكشوفة بين الزملاء (سيما السرقات التي يكون ضحيتها أولئك الذين لا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم) أصبحت شبه قاعدة عامة يجيزها الجميع، حتى في أفضح الحالات وأكثرها تعسفا. إن قبول دخولي في لعبة “الجوائز”و”المكافآت” يعتبر في هذه الظروف اعترافا ودعما لهذا الفكر ولهذا التطور في الوسط العلمي. إني أعتبر هذا الفكر وهذا التطور جدّ مضريْن ومآلهما الزوال في أجل قصير ذلك أنهما قاتلان روحيا وفكريا وماديا.

إن السبب الأخير يمثل بالنسبة لي أهم الأسباب الثلاثة التي ذكرتها. وإذا كنت تعرضت إليه فليس أبدا بغرض انتقاد نوايا الأكاديمية الملَكية في إدارة الأموال الموضوعة تحت تصرفها. إنني لا أشك في حدوث تقلبات كبيرة غير متوقعة ستحوّل رأسا على عقب -قبل نهاية هذا القرن- مفهومنا للعلم وكذا أهدافه الكبرى والذهنية التي يتم بها العمل العلمي. وإننا كلنا على يقين من أن الأكاديمية الملَكية ستكون آنذاك من بين المؤسسات والأشخاص الذين ينبغي عليهم تأدية دور مفيد من أجل إحداث تجديد لم يسبق له مثيل، بعد انتهاء حضارة لم يسبق له مثيل أيضا …

وإني متأسف على الضيق الذي يمكن أن يتسبّبه، لكم وللأكاديمية الملَكية، رفضي لجائزة كرافورد في الوقت الذي يبدو أن بعض الإشهار قد انطلق بخصوص منح هذه الجائزة دون التأكد مسبقا من موافقة الفائزين المعنيين. لقد حدث هذا على الرغم من أني اجتهدت في سبيل التعريف داخل الوسط العلمي -سيما بين قدماء أصدقائي وتلاميذي في دنيا الرياضيات- بمواقفي إزاء “العلم الرسمي” اليوم. وبخصوص هذا الموضوع فالأمر يتعلق بتفكير طويل، “حصاد وبذر” [هو عنوان مخطوطة لصاحب الرسالة. وقد تم نشره في جزءين في باريس عام 2022]، حول حياتي الرياضية وحول الخلق والإبداع (وبخاصة الإبداع العلمي) بصورة عامة والذي أصبح في نفس الوقت، وبدون إرادتي، “قائمة عادات وتقاليد” عالم الرياضيات منذ سنة 1950 إلى اليوم.

لقد سحبت مصالح الجامعة التي أنتمي إليها 200 نسخة من المخطوطة (في انتظار نشره في شكل كتاب) وزعت معظمها على زملائي الرياضيين سيما المختصين في الهندسة الجبرية (الذين شرفوني الآن بتذكرهم لي [يقصد بمنحه الجائزة]). ولإعلامكم الشخصي، اسمح لنفسي أن أرسل لكم الكراسين التمهيديين من هذه المخطوطة في غلاف آخر.
أشكر حسن انتباهكم وأجدد لكم ولأكاديمية العلوم السويدية تشكراتي واعتذاراتي لهذا الطارئ الخارج عن إرادتي.
تقبلوا عبارات التقدير”. [انتهت الترجمة].

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!