البطل المنسي… !!
بعد أيام معدودة سيحتفل المسؤولون الجزائريون بعيد الحرية والاستقلال، وستكون هذه المناسبة الوطنية فرصة لإقامة احتفالات، تتم فيها ترقية الضباط، وتوزيع النياشين والأوسمة على من شاركوا في معركة الحرية. وستكون هذه المناسبة كسابقاتها مناسبة شكلية لاروح فيها ولا رائحة لها، غير ما تسجله وتنشره بعض الوسائل الإعلامية للسلطة، وسيظل المجتمع ـ كالعادة ـ مشغولا بأوضاعه وظروفه غير المريحة .
هذا هو شأن مناسباتنا عامة: أول نوفمبر، وقف القتال، عيد الاستقلال والشباب…الخ المجتمع فيها في واد والمسؤولون في واد آخر، وقد كان بالإمكان، بل كان من الواجب، أن لا تحدث هذه الظاهرة السلبية، وأن تكون كل مناسباتنا الوطنية فرصة لتقييم منجزاتنا، والتذكير بأمجادنا ومفاخرنا ومآثرنا،، لولا خطأ تاريخي فادح وقعت فيه قيادة الثورة، ومنذ وقف القتال، ويتمثل هذا الخطأ في تجاهل الدورالمركزي الاجتماعي والتاريخي في احتضان الثورة وحمايتها من قبَل المجتمع /الشعب، وتمكينها من تحقيق الانتصار التاريخي “المهدور”، مع الأسف الشديد .
إن جيل الثورة عامة، من المجاهدين والمناضلين، والمسبلين يعلمون علم اليقين مدى التضحيات الجسيمة التي تحملها المواطنون، والمتمثلة خاصة فيما تعرضوا له من : قتل، وتشريد، وظلم، وتعذيب، وتدمير، وقهر، وتخريب ممنهج؛ قصد حرمان الثورة من العون والمدد الشعبي ـ الاجتماعي، ورغم ذلك كله صمد المجتمع الجزائري ـ بمختلف شرائحه ـ وضحى أبناؤه وبناته بسخاء – ضحى بدمائه وأبنائه وبكل ما يملك ..حتى تحقق النصر المؤزر.
كان من حق المجتمع أن يُنصف من قبل قيادة الثورة، ومن جاء بعدها من قيادات الدولة والسلطة، وأن يُعتَرف له بدوره وتضحياته، وأيضا بحقه في أن تكون له كلمته في تقرير المصير وتحديد المستقبل، لكن ذلك لم يحدث، وما حدث عمليا كان صدمة نفسية واجتماعية شديدة التأثير على الوجدان الاجتماعي للمجتمع الجزائري برمته؛ حينما عاملته قيادة الثورة بعد وقف القتال على أنه مجتمع غير واع وغير مؤهل لتقرير مصيره!! …بل رفضت تلك القيادة حتى أن تمكنه من أبسط حقوقه، ففرضت عليه ـ فرضا ـ الخيار الاشتراكي بصبغته الإيديولوجية الأحادية التفسير والتوجه المنافية لقيمه ومبادئه وأصوله، وكانت النتيجة ما يعرف الجميع. كما فرضت عليه، بعد ذلك مناهج أخرى لم تستشره وتأخذ برأيه فيها، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتعليميا، كماهو معروف عند الجميع .
ونتيجة لذلك الخطأ الكارثي المستمر وجدَ المواطنون الذين احتضنوا الثورة، وضحوا من أجلها بالغالي والنفيس، وجدوا أنفسهم مهمشين ومحجورا عليهم، وغير مسموح لهم بأي نشاط إلا بإذن من السلطة.
ممنوع عليهم تأسيس أي حزب إلا بإذن السلطة، وممنوع عليهم إصدار عنوان إعلامي إلا بإذن السلطة، وممنوع عليهم الاحتجاج على الظلم والفساد والتهميش إلا بإذن السلطة، وممنوع عليهم اختيار نوابهم ووزرائهم …إلخ. ولم تبق لهم السلطة من الحقوق إلا قول: نعم، وبنسبة 99 بالمائة !!.
وبعد خمسين سنة من الحرية والاستقلال الموجه والمنقوص يجد المواطن الجزائري نفسه يقول ماقاله شاعر قسنطينة محمد الصالح خبشاش بعد أن ضاق ذرعا بقيود الاستعمار:
ملَك الموت اقبض الروح إن الروح كادت تفر من جثماني
أنا لا أطيق صبرا على الضيم ولو كنتُ في جنــان عـدنــــان
لقد كان للثورة قادتها ورجالُها الأفذاذ أمثال: مصطفى بن بولعيد، وديدوش مراد، وعبان رمضان، وعميروش…وغيرهم، ولو كان هؤلاء وأمثالهم أحياء وسُئلوا من البطل منكم؟ لقالوا جميعا: البطل هو الشعب..البطل هو المجتمع، وهو وحده المستحق للتكريم والتمجيد. لقد كان وجود المجاهدين في الجبهة، ولكن تسليحهم وتموينهم، وتزويدهم بكل المعدات ووسائل الكفاح يتوقف على المواطن، أي على المجتمع، وبتضحياته التي لا توصف وإخلاصه وصدقه تحقق المراد وهو الانعتاق من ربق الاستدمارالبغيض .
إنه من غير العدل، وغير الوطنية ومن غير الوفاء أن يُهان المواطن وتُغلق دونه الأبواب، ويسلط عليه القمع إن ضج من الفساد والمفسدين.
ليس من العدل، وليس من الوطنية أن يستفيد صندوق النقد الدولي من ملايير الدولارات، ويُحرم المريض الجزائري من عشرات الأدوية التي لا يجدها في الصيدليات، فيرسل في طلبها من دول الجوار أو من فرنسا .. كما يُحرم من السكن اللائق، ويُحرم أبناؤه من الجامعيين وغير الجامعيين من فرص العمل الشريفة.
ليس من الوطنية، وليس من العدل أن تتنازل دولة الجزائرعن ديونها لغير الجزائريين، وتحرم الجزائريين من القروض دون ربا، فالله تعالى يقول: “وآت ذات القربى حقه” ..
فأين حق القرابة، وأين حق المواطنة، وأين حق التضحيات؟
ألم يأن للقادة أن يراجعوا أنفسهم وينصفوا مجتمعهم؟
ألم يحن ـ بعدُ ـ وقت تكريم البطل الحقيقي ..البطل المنسي ..الشعب ..المجتمع؟