-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

البوازيد من جبل العمور إلى الزيبان وثورتهم بالعامري

الشروق أونلاين
  • 5289
  • 0
البوازيد من جبل العمور إلى الزيبان وثورتهم بالعامري

مهما كانت الأسباب والظروف التي دفعت بالبوازيد إلى إعلان عصيانهم على ممثلي المستعمر الفرنسي بالزيبان إلا أن القيام بعد ذلك العصيان بثورتهم بالعامري لم يكن تمردا وردا على ظلم المستعمر وأتباعه فحسب بل كان تعبيرا قويا وصريحا لرفضهم للاحتلال ككل.. وقد يتأكد من هذا لمن يتمعن، شيء آخر في تسلسل الأحداث، بعد غزو الاستعمار الفرنسي وتوغله داخل الجزائر في أعماق أراضيها قد يستنتج لا محالة أن ثورة البوازيد بالعامري في 1876 م تعتبر في الحقيقة من إحدى المحطات التاريخية في تسلسل الثورات والانتفاضات ضد الجيوش والإدارة الاستعمارية التي قام بها أبناء الوطن في مختلف الجبهات، طيلة القرن التاسع عشر الميلادي. تلك المقاومات التي تعددت واستمرت إلى غاية انتهاء الربع الأول من القرن العشرين مثلما كان الأمر بالنسبة إلى مقاومة بوعمامة، التي دامت إلى غاية 1920 م.

فلا بأس أن نذكر المسيرة الجهادية الرائعة التي تبناها وقادها الأمير عبد القادر ورفاقه العزل لفترة تفوق الخمس عشرة سنة، من 1832 إلى غاية 1847 م، ضد عدو أكثر منهم عددا وأقوى عتادا. ولنتذكر ما خاضوه آنذاك من معارك في العديد من أرجاء الوطن الثائر ضد عدو غاشم. وفي الفترة التي توقفت فيها المقاومة العسكرية للأمير عبد القادر اندلعت ثورة الزعاطشة سنة 1849 م. قاد تلك الثورة الشيخ بن زيان الذي كان من رفقاء الأمير عبد القادر أثناء مقاومته. وكان الشيخ بزيان مرفوقا ببطل آخر وهو الحاج موسى. وقد شارك أعداد من البوازيد في المعارك التي دامت عشرة أيام والواحة محاصرة. قتل فيها ما يقرب من 1250 من عساكر وأعوان، وهذا باعتراف قيادة العدو، الذي أمر بالقضاء على غالبية السكان وتدمير ديارهم، وقطع نخيلهم ثم إضرام النار في ما تبقى وسجن أو نفي من عثروا عليه من السكان حيا.

فلنتذكر أيضا محطة تاريخية أخرى من الوقوف ضد المستعمر التي تمثلت في مقاومة أهالي الأغواط البررة عندما حاصرهم العدو سنة 1852 م. رغم حجمها وعدد سكانها المتواضع، ورغم كثرة عساكر العدو لم يتمكن منها إلا بعد معارك طاحنة قتل أثناءها عشرات من جنوده وجنرال من الأربعة الذين كانوا على رأس جيوشه في الهجوم على أسوارها ولم يتمكن الجنرالات من اجتياحها إلا بعد استشهاد قرابة نصف سكان المدينة رجالا ونساء وأطفالا.

وجاء بعد ذلك دور المقراني صاحب قلعة مجانة سنة 1864 م والانتفاضة التي تزامنت مع الثورة المشهورة بمقاومة أولاد سيدي الشيخ التي انتشرت عبر بوادي وفيافي البيض والنعامة إلى غاية الساورة. ثار من جهتهم بوازيد العمري سنة 1876 وكان على رأس مقاتليهم الشهيد محمد بن يحيى بن محمد مصحوبا بأحمد بن عياش من عرش الجبابرة، مع العلم أن هؤلاء البوازيد كانوا يدركون جيدا ما جرى سنوات من قبل لجيرانهم أهالي الزعاطشة وما تكبدوه من دمار وقتل وحرق ونفي عندما انتفضوا ضد المستعمر. كانوا إذا على دراية بما يمكن أن يجري وما يكون مصيرهم، ولكن ورغم ذلك، فالبوازيد لم يخافوا ولم يترددوا وعزموا على الوقوف ضد العدو وأتباعه.

انطلقت ثورتهم التي استشهد وسط معاركها قائدها الشيخ محمد بن يحيى بن محمد ومعه العشرات من مقاتليه ودمرت وخربت بيوتهم وحرقت أشجارهم وسلبت منهم أراضيهم وألقي العديد منهم في السجون ونفي إلى كالدونيا قائدهم الآخر أحمد بن عياش ومعه آخرون من أعيان البوازيد ومات البطل أحمد بن عياش في ذلك المنفى. كل هذا لم يغير من إرادة مواطني الزيبان والبوازيد للمشاركة في مواجهات متعددة ضد العدو في مناطق أخرى كالأوراس وقسنطينة وحتى تلك التي قام بها متطوعون كعمر بن قويدر الرحماوي من أولاد نائل الذي ثار سنة 1922 والذي قتل من طرف العدو بعد القبض عليه.

ولا ننسى أن نذكر أيضا مساهمة واحد من أبطال جبل عمور ومن الغيشة بالتدقيق (قرية توجد وسط القعدة المشهورة جنوب شرقي آفلو) والذي وجد برفقة الناصر بن شهرة دعما ومساندة من أهل دوسن الزيبان سنة 1871م.

عندما نتأمل في كل هاته الثورات والمقاومات نجد أن الدافع المشترك الأول لدى جميع من فجروها هم الوقوف ضد المستعمر وضد ظلمه واحتلاله واستلائه على أراضي وأملاك الكثير من القبائل والعشائر والسكان. ومن هناك حتمية مكافحة ذلك التواجد الاستعماري لأنه انطلق في عملية واسعة عبر الكثير من المناطق التي استولى عليها وتمركز بها لاستبدال أصحابها الجزائريين الشرعيين بمعمرين أوتي بهم من أجناس أوربية مختلفة بمجرد أنهم مسيحيون.

ثم هناك العامل والمحرك الثاني وهو أساسي لدى جميع الثوار الذين وقفوا في وجه المستعمر ألا وهو حب وطنهم والدفاع عنه وعن معتقداتهم والحفاظ على الإسلام والقيام إذًا بالواجب الجهادي.

 

لذا نجد أن أغلب من كانوا يقودون تلك الثورات هم من شيوخ عشائر أو منهم من يشرفون على زوايا دينية معترف لهم بالعمل لنشر القرآن وتفسيره وتعليم أبواب فقهه والسيرة النبوية. ومن هناك أيضا حث أتباعهم على الجهاد في سبيل الله والدفاع عن الوطن. وتلك كانت سيرة وسلوك الأمير عبد القادر والشريف محمد بن عبد الله محرك المقاومة بتڤرت والأغواط وشريكه في العديد من العمليات الناصر بن شهرة وكذلك المقراني وبن زيان قائد الزعاطشة وبوعمامة ومحمد بن يحيى قائد ثورة العامري وآخرون عبر التراب الجزائري رحمهم الله جميعا ونفعنا ببركاتهم آمين.

 *وزير التربية سابقا


أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
  • محمد أمين لواسف

    تمنيت أن يسافر السيد الوزير بمقاله في رحلة تكون هرمية التدرج وليس أن يتذكر محطات تاريخية بطولية يذكرها في سطر او سطرين،والأحرى أن الكاتب يبذل جهدا في البحث عن اسماء نخشى أن لا ننصفها بحكم أن التاريخ أنصفها . وأقصد البطل الراحل"الشريف بوشوشة".
    الشريف بوشوشة الغيشاوي قائد المقاومة في الصحراء الجزائرية المـدعـو بوشوشـة بمعنى الفـــارس، ولـد سنة 1827 بالغيشة بولاية الأغواط مـن أسـرة فقـيرة ومـحافـظـة على التـقـالــيد الإسـلامية .

  • أمين - باتنة

    والنتيجة ان كل المناطق في الجزائر تقريبا عرفت ثورات وانتفاضات ضد الاحتلال الفرنسي دون جدوى ودون ان تؤدي كل تلك التضحيات الجسام الى طرد فرنسا والسبب هو ( القتال بعقلية المنطقة والقبيلة ) دون التوحد في بوتقة واحدة تسمى ( الشعب الجزائري العظيم ) الى ان اتى الفاتح نوفمبر 1954 المجيد ليعلن ميلادا اخر لشعب عظيم يتوحد تحت قيادة جبهة التحرير الوطني التاريخية وهكذا فليتعظ الشعب الجزائري بالتاريخ وليعلم بان قوته في وحدته وتماسكه كلحمة واحدة وليس التنازع والتفرقة على اساس الجهة اوالعرق .