التدليس للتنصل من مسؤولية الإفلاس
إذا ما صدّقنا ما ادّعته الوزيرة بن غبريط رمعون، فإن الأيام الخمسة الإضافية من عطلتي الخريف والشتاء هي المسؤولة عن تدنّي مستوى التعليم في منظومتنا المنكوبة، قبل أن تعِدنا باقتطاعها ابتداء من الموسم الدراسي القادم بناء على توصية فريق من المختصين.
بهذا المنطق المبتذل تسيّر واحدة من أهم وأخطر المؤسسات ولا تستحي الوزيرة أن توجِّه شيوخ وشيخات الغرفة العليا بهذا اللغو في القول والتدليس به عن الأسباب الحقيقية التي قادت المؤسسة التعليمية إلى الإفلاس، كما لم يستحِ المخاطَبون من البرلمانيين من تفويت هذه الفرية التي تحيلنا إلى الجري وراء الظل بدل تعقُّب الفريسة.
مثلها فعل عامة الناس بجهالة حين اعتقدوا أنه ما كان لخزينة الدولة أن تفلس وتضطرّ الحكومة إلى مراودة جيوب الجزائريين لو لم يستأثر النواب والوزراء بأجورٍ وعلاوات خيالية مع أن موطن الإفلاس هو في مكان آخر، ومصدر إعادة تمويل الخزينة العمومية معلومٌ، ولكن لا الحكومة ولا البرلمان يريدان الاقتراب منه.
لقد علمنا منذ أيام من تقرير دوري للمجلس الوطني للمحاسبة أن الضرائب الموثقة المستحقة على المؤسسات العمومية والخاصة التي تعجز الحكومة عن استخلاصها قد بلغت حتى سنة 2013 ما يعادل 110 مليار دولار أو 12000 مليار سنتيم، علما أن الحكومة التي تجبي من الأُجراء مائة بالمائة من ضرائبها، كما تجبي منهم بسخاء في ما يستهلك عبر ضريبة فائض القيمة لم تستخلص سوى قرابة 12% من هذه الديون الضريبية المجدولة من تسيير إلى آخر حتى يجبها عفوٌ رئاسي.
ولأن الحكومة معتادة على التدليس، فقد حمَّلت المواطن مسؤولية إفلاس الخزينة ممِنّة عليه بما هو متاحٌ للغني والفقير من دعم لأسعار بعض المواد الاستهلاكية، ولم يأت ذكر مسؤولية كبار المتهرِّبين من الضريبة بحبل منهم وحبل من أرباب الدولة.
غير أن الوزيرة بن غبريط رمعون لم تأت بدعة، وهي إنما تريد التستّر على إفلاس المنظومة التربوية بتحويل الأنظار إلى عشرة أيام من العطل الإضافية، زعمت أنها مسؤولة عن تدني المستوى التعليمي، وتريدنا أن نطارد الظل بدل الفريسة، مع أن أقلّ الناس علما بالمناهج التعليمية وبما في المقرر من مضامين يعلم أن ثلاثة أرباع المقرر المستنسَخ بغباء وكسل، هو محض حشو لا يسمن ولا يغني من جوع، لم يخضع حتى في مواده العلمية للترقية المستدامة، مليء بالأخطاء وبالمعلومات القديمة البالية، لن يصاب أبناؤنا بجهالة لو صرفنا النظر عن ثلاثة أرباعه، وقد نربح من الوقت أضعاف الأيام العشرة التي استكثرتها الوزيرة على التلاميذ وإطارات التعليم.
بهذا المنطق المبتذَل المحتقِر للعقل تخاطب وزيرة مسؤولة عن تعليم أجيال من هم مسؤولون عن التشريع في البلد ثم لا يستوقفها أحدٌ منهم وفي كلامها إهانة لأهل هذه المؤسَّسة التشريعية قبل أن يصيبنا منه أذى، غير أنه ما كان ينبغي أن نتوقع من الشيوخ والشيخات الحضور الذهني الناقد وقد طرق آذانَهم من قبل ما هو أخطر مما دلست به الوزيرة من دون أن يحركوا ساكنا.
غير أن الذي ليس بوسع الوزيرة التدليس فيه وقد اعترفت في أكثر من مناسبة بتدني مستوى المؤسسة التي ترأسها أن تدني المستوى بدأ منذ اللحظة التي بدأ العمل بها بما سُمي بـ”إصلاحات” لجنة بن زاغو التي شاركتْ فيها كخبيرة، وهي اليوم مكشوفة سافرة؛ مكشوفة منذ تولت تنفيذَ “جيلها الثاني من الإصلاحات” على جيلٍ مرشح للعطلة المستدامة بعد التخرّج، إن حالفه الحظ.