-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

“الترجمة خيانة”

“الترجمة خيانة”

هذا اليوم (30 سبتمبر) هو اليوم الذي اختارته الأمم المتحدة ليكون “اليوم العالمي للترجمة”، والترجمة هي نقل كلام من لسان إلى لسان، والناقل لهذا الكلام يُسمَّى في لساننا العربي “الترجمان” وقديما قال الشاعر:

إن الثمانين وبُلِّغتها أحوجَتْ سمعي إلى تُرجمان

لقد أولت الحضارة الإسلامية منذ عهدها الأول عناية كبيرة بفنِّ الترجمة، فأسست له مؤسسة ورصدت له أموالا، وجلبت له من مهَرُوا في علوم مختلفة، ونقلوا الكتب المختلفة من لغاتها الأصلية إلى اللغة العربية…

نُسب إلى الرومان القدماء قولُهم: “الترجمة خيانة”، ولم أبحث عن سبب وصفِهم الترجمة بهذا الوصف الذميم، ولا في أيِّ عهدٍ كان ذلك.

ليسوا سواءً، من المترجمين جيِّدون، ومنهم رديئون، ومنهم عَوانٌ بين ذلك، والمترجم الجيّد هو من يتقن اللغة المترجَم منها واللغة المترجَم إليها، وأن يكون من أهل الاختصاص في موضوع الكتاب، وأن يتَّصف بالأمانة العلمية، حريصا على ما في الكتاب مهما يختلف مع مؤلفه، وله أن يعقّب على هذا الرأي أو ذاك، وأن يبيِّن لماذا اختار هذا المصطلح أو ذاك.. وللأسف فإنّ بعض المترجمين لا يتّصفون بهذه الأمانة، ولا يبذلون جهدا فيما يترجمون، وهمُّهم الأكبر هو “الربح” المادي على حساب المعاني والمباني، خاصة إذا علمنا أن “الترجمة” صارت “تجارة”، فقد حاولنا ترجمة “مذكرات الشيخ خير الدين”، ولغتها سهلة، وعرضنا الأمر على “مترجم”ٍ فطلب سبعين مليونا!!! وقد رأيتُ فيما بعد بعض ترجماته فرأيت “كارثة” في الأسماء الشخصية والجغرافية؛ فمحمد الشريف ساحلي صار محمد الشريف سهْلي، وبلدة العزازقة أصبحت أزَازقة.. وأحدُهم ترجم كلمة lieutenant-colonel بـ”الملازم – العقيد”، بينما المصطلح الحقيقي لهذا الاسم هو “المُقدَّم”، والآخر ترجم اسم مدينة “سعيدة” الجزائرية بكلمة “صيدا” اللبنانية.

في سنة 1970، صدر في فرنسا كتابٌ للفيلسوف الفرنسي جان فرانسوا ريفل عنوانه “Ni Markx, Ni jésus”، أي ” لا ماركس، ولا عيسى، أو المسيح”.. وقد بحثتُ كثيرا إن كان الكتابُ قد تُرجِم إلى اللغة العربية فلم أحصل على نتيجة، فيئستُ كما “يئس الكفار من أصحاب القبور”.

وفي يوم 8 أكتوبر 2010 وجدتُ شخصا أمامه مجموعة من الكتب القديمة، من بينها كتاب عنوانه “ريّاحُ التغير الجديدة”، واسم كاتبه هو جان فرانسوا ريفل، فظنتُه كتابا آخر، فأخذتُ الكتاب وبدأت أقلب صفحاته فإذا بي أجد في الصفحة الرابعة العنوان الحقيقي للكتاب وهو « Ni Markx, Ni jésus » واسم مترجمه هو فؤاد موبيساتي، وهو منشورٌ في بيروت عن “دار الآفاق الجديدة”.

قال المسمَّى “القديس” أوغسطين: “أنا أخطئ، إذن أنا موجود”، ولكن الخطأ الذي لا يحتمل الخطأ، لا يدل على وجود المُخطئ فقط، بل يدل على “خيانته”، ومن هذه الخيانة ترجمة جملة « Ni markx, Ni jésus » إلى “رياح التغير الجديدة” من دون أدنى إشارة إلى ذلك، و”الناس معادن” وشعارُ بعضهم: “إذا امتلأ الجيب فلا عيب”، كما يقول الإمام الإبراهيمي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
2
  • يوغرطة

    الترجمة اخلاق وامانة ومسؤولية كبري وواجب انساني .

  • جلال

    " أنا أفكر إذن أنا موجود للفيلسوف الفرنسي ديكارت" أحسن وأقوى من مقولة أوغسطين" أنا أخطئ إذن أنا موجود" ولكن أحسن جواب لأوغسطين عندما سئل أين كان الله قبل الخلق : إن هذا يفترض وجود الزمان والمكان قبلا والله هو خالقهما . ملاحظة ماركس يكتب باللاتينية Marx وليس Markx