-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الترقيات الجامعية في مَزاد المُلتقيات التجارية!

الترقيات الجامعية في مَزاد المُلتقيات التجارية!

قبل أيام قليلة، راسلنا أستاذ جامعي متقاعد في الثمانين من عمره، وهو ممن درّسوا الرياضيات لكل أجيال ما بعد الاستقلال خلال أكثر من نصف قرن، ليُطلعنا على فحوى برقية وصلته. وكان الرجل مستغربا وساخرا من مضمون تلك البرقية التي تلقّاها من جهةٍ وطنية تبدو في ظاهرها أكاديمية إذ تدعوه للمشاركة بمحاضرة في ندوة كل فعالياتها تتم عن بعد، أصبح يطلق عليها “ويبِنار” (Webinaire)، شريطة أن يدفع 5000 دج، مؤكدة أن ذلك “سيُثري سيرته العلمية ويفيده في الترقية”!!

الأمر يتعلق بندوتين…

والواقع أن الأمر يتعلق بندوتين تنظمهما الجهة نفسها في يوم واحد لكل ندوة، إحداهما في “العلوم الدقيقة” والأخرى في “التكنولوجيا والصناعة”. وقد جاء الإعلان عن كل ندوة باللغة الفرنسية دون سواها مع أن الموضة الحالية في العلوم عندنا تقضي أن تكون الإعلانات بالإنكليزية أو مزدوجة اللغة.

للوهلة الأولى يبدو أنّنا أمام مبادرات علمية راقية هدفها ترقية البحث في الجامعات الجزائرية وتشجيع الحوار بين الباحثين. لكنّ قراءة دقيقة لما ورد في الإعلانين تكشف بسرعة أنّنا لا نتعامل مع ندوات علمية حقيقية بل مع منتجات تجارية مغلّفة بخطاب أكاديمي، تُسوَّق للباحثين وطلبة الدكتوراه التوّاقين إلى سطر إضافي في سيرهم الذاتية.

وكما جرت العادة ففي كل ندوة، هناك اللجنة المنظمة واللجنة العلمية. وكم عدد أعضاء هذه اللجان؟ في ندوة “العلوم الدقيقة” هناك 57 أستاذا في اللجنة المنظمة فضلا عن رئيسها و 56 أستاذا في اللجنة العلمية. أما في الندوة الثانية فتضم كل من اللجنتين 34 أستاذا. بمعنى أن مجمل المجندين لهاتين الندوتين اللتين ستنظمان في يومين عن بعد هو 183 أستاذا… ولسوء الحظ، لم نتعرف سوى على عنصر واحد منهم، بينما كنا ولازلنا نتعرف على معظم أسماء من ينظمون ملتقيات في الرياضيات. زد على ذلك أن هؤلاء منتسبون إلى نحو 30 مؤسسة جامعية وطنية.

وعندما ندقق النظر نجد أن ترتيب الأسماء في كل لجنة لا يخضع لأي قانون (ترتيب غير أبجدي وخلط في ترتيب اللقب والاسم…) وكأنها عملية مقصودة للتمويه… لأن هناك العديد من تلك الأسماء نجدها متكررة في أكثر من لجنة، كأن نجد أحدهم في اللجنتين العلميتين أو في لجنة تنظيمية ولجنة علمية… بل هناك من الأسماء ما يتكرر في 3 لجان. وكل اسم يبدأ بلقب “دكتور” أو “أستاذ دكتور” للتأكيد على الجانب الأكاديمي. فأي لزوم لكل هذه القوائم، والندوة مبرمجة برمتها عن بعد ولا تحتاج إلى أكثر من تقني ورئيس جلسة وربما مقرر؟ وهذا لا يتطلب في المجمل إلى أكثر من 10 أستاذة في اللجنتين العلميتين وشخصين أو ثلاثة في اللجنتين المنظمتين… اللهم إلا إذا قرر المنظمون فتح الباب لكل من هبّ ودبّ وراحوا يسمحون بتقديم العروض بالتوازي في عشرات الورشات.

ينظّم الندوتين للمرة الثالثة (حسب الإعلان) كيان واحد مُقدَّم على أنه “شركة ناشئة” بالتعاون مع دار نشر أو أكثر. وهذا يطرح أكثر من سؤال. فالحال أن اللجنة العلمية في أي مؤتمر جاد تكون صغيرة ومحدّدة التخصّص، مهمتها فحص الملخّصات وتقييم الأعمال وضمان تماسك البرنامج. أمّا هنا فنحن أمام قوائم أسماء أقرب إلى دليل هاتف جامعي، الهدف منها ليس الضمان العلمي بل الإيحاء بالشرعية. فكلّما زاد عدد الأسماء، بدا الحدث “وطنيا” و”مهيبا” في نظر هؤلاء.

ومن المؤشرات السلبية لكل ندوة من هاتين الندوتين جانب العمومية المطلقة للمحاور العلمية. فالندوة المخصّصة لما يُسمّى “العلوم الدقيقة” غطى سرد محاورها صفحة كاملة حيث جمع بين الفيزياء النظرية والطاقات المتجددة، والكيمياء الدوائية، والتحليل الرياضي، والاحتمالات، وبحوث العمليات، والذكاء الاصطناعي، وعلوم الحاسوب، والهندسة الصناعية. وغطت ندوة “التكنولوجيا والصناعة” كلّ شيء: الميكانيك، والهندسة الكهربائية، والإلكترونيك، والهندسة البحرية، والطيران، والطبّ الحيوي، والمناجم، والبيئة، والسلامة الصناعية… وكأننا أمام فهرس للاختصاصات العلمية لا ندوة علمية محدَّدة الموضوع.

إن مثل هذا التنوّع المفرط ليس دليلا على الانفتاح بل هو علامة وجود فراغ منهجي وعلمي. فندوةٌ تُنظَّم عن بُعد في يومٍ واحد، وتزعم أنها تغطّي كل فروع العلوم والتكنولوجيا، لا يمكن أن تكون سوى واجهة دعائية لجمع أكبر عدد ممكن من المشاركين لأمر في نفس يعقوب.

الجانب التجاري

يتّضح الطابع التجاري أكثر عند الاطلاع على شروط المشاركة. فكلّ باحث يدفع 5000دج وكل طالب دكتوراه يدفع 3000 دج، ويسمح لأي منهما أن يشارك بورقتين (أي بالدفع مرتين). وهذا الدفع مقابل ماذا؟ يجيب الإعلان بأن ذلك لقاء “شهادة مختومة، وإدراج اسم المشارك في برنامجٍ يُنشر على الإنترنت، ووعدٍ بأن يُنشر البحث في كتاب علمي جماعي يحمل الرقم الدولي المعياري للكتب (ISBN). غير أنّنا نعلم بأن هذه الكتب ليست منشورات علمية محكَّمة بل مطبوعات تجارية تُعدّ في القالب ذاته لكل المشاركين، من دون أيّ تقييم علمي حقيقي.

واللافت أن كلمة “علمي” تُكرَّرت كثيرا في الاعلانين لتجميل الصورة، ويُذكَر الرقم الدولي (ISBN) وكأنه ختمُ اعتمادٍ أكاديمي. والواقع أنّ هذه الإصدارات لا ينبغي أن تُراعَى في الترقية الجامعية لأنها ببساطة كتبٌ مطبوعة على نفقة الباحث، تُسوَّق كدليلٍ على النشاط الأكاديمي بينما لا تحمل عموما من العلم سوى الاسم.

وتزداد غرابة المطلع على الاعلان حين يقرأ آخر سطر فيه حيث يقول: “لا يسمح للأجانب بالمشاركة” مما يتعارض مع جوهر البحث العلمي (خاصة في تظاهرة علمية تتم عن بعد) الذي يقوم على الانفتاح وتبادل المعرفة عبر الحدود. من حقنا أن نفهم من ذلك أن مثل هذه الندوات لا تبحث عن تفاعل علمي حقيقي بل تبحث عن سوقٍ محلّية تجارية مضمونة من الباحثين الجزائريين المتعطشين لـ”شهادة مشاركة” يقضون بها حاجاتهم.

أما الجدول الزمني فهو أكثر غرابة إذ يقول: “آخر أجل لإرسال الملخّصات يوم 14 أكتوبر، والإشعار بالقبول (كذا) يوم 16، والدفع ما بين 16 و18، والندوة عن بعد يوم 18 أكتوبر! أي أنّ اللجنة العلمية تحتاج يوما واحدا فقط لفحص كافة الملخّصات وقبولها جميعا، شريطة تسديد المبلغ.

مبدأ “ادفعْ، تُنشرْ”

كل ذلك يعيد إلى الأذهان نموذج “المؤتمرات المفترسة” التي انتشرت عالميا خلال العقد الأخير، وهي لقاءات تجارية تتظاهر بالعلم لتبيع “فرصة النشر” لمن يدفع. وهنا نحن أمام نسخة محلية من نموذج تلك المؤتمرات التي تحوّل الفعل العلمي إلى سلعة مزيفة. فبدلا من أن تُبنى المشاركة على جودة البحث وتقييم الأقران، تُختزل العملية في معادلة بسيطة: “ادفعْ، تُنشرْ”. تجد مثل هذه المبادرات أرضا خصبة في بيئةٍ أكاديمية مثقلة بضغط مبدأ “انشر أو انقرض” حيث يُقاس نشاط الباحث بعدد المشاركات لا بمحتواها.

والخطر هنا لا يقتصر على المال الضائع، بل على تشويه معنى الإنتاج العلمي. فهذه الندوات تُغري الطلبة والباحثين الجدد بدفع المال مقابل شهادةٍ تُضاف إلى ملفاتهم، وتشجّع ثقافة الكمّ على حساب الكيف. ومع تكرار التجربة، تتحوّل الممارسة إلى عادة، ويصبح من الطبيعي أن يُسوَّق “العلم” كبضاعة وأن يُقاس الجهد الأكاديمي بعدد المشاركات الواهية و”الملصقات” (Posters) المضللة. والأخطر من ذلك أن هذه الممارسات تمتصّ طاقة البحث الحقيقي لصالح نشاطٍ شكليٍّ يُرضي الأرقام ولا يُنتج معرفة. كما أن هذه المشاريع تنزع عن المؤسسات الرسمية دورها في الإشراف العلمي، وتسلّمه لكيانات تجارية لا تخضع لأي مساءلة ولا تملك رؤية أكاديمية. سيقول البعض: لا ضرر في ذلك، فكلّ إنسان حرّ في أن يدفع ليعرض فكرته. لكنّ العلم ليس سوقا حرّة، بل منظومة تقوم على الثقة والتقويم الجماعي. وحين تختفي هذه المعايير، ينهار كلّ البناء.

من هنا، بات لزاما على الجامعات والباحثين أنفسهم أن يرفضوا هذه الممارسات، وألا يعترفوا بشهاداتها أو منشوراتها، وأن يفضحوا الخلط المتعمّد بين النشر العلمي والنشر التجاري. كما أن وزارة التعليم العالي مدعوّة إلى التدخّل العاجل لتُلزم المجالس العلمية في المؤسسات الجامعية بالتدقيق الصارم في شهادات المشاركة في الملتقيات، والتحقّق من جدّية التظاهرات العلمية المانحة لتلك الشهادات. ذلك أن التساهل في هذا الباب لا يضرّ بالأفراد وحدهم بل يمسّ بسمعة الجامعة الجزائرية ويحوّل البحث العلمي إلى تجارة، والباحث إلى زبون.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!