-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع
رئيس اللجنة الجيوسياسية والبيئة بالمجلس الاستشاري لإعادة التأسيس في النيجر:

التعاون العسكري الجديد مع الجزائر سيعود بنتائج اقتصادية

حوار: سفيان. ع
  • 1935
  • 0
التعاون العسكري الجديد مع الجزائر سيعود بنتائج اقتصادية

يرى البروفيسور بانا إبراهيم، رئيس اللجنة الجيوسياسية والبيئة الدولية بالمجلس الاستشاري لإعادة التأسيس في جمهورية النيجر، أن القرار الأخير للجزائر بإرسال مفرزة وحدات عسكرية إلى بلاده لأجل حماية المنشآت الطاقوية والاقتصادية يعكس إرادة سياسية تهدف إلى إضفاء بُعد عملي على العلاقات المتجذرة بين البلدين، خاصة أنه يأتي استجابة لطلب صادر عن السلطات النيجرية.

وخلال مقابلة مع “الشروق”، على هامش أشغال منحة دونغ فونغ بجامعة بكين، يؤكد البروفيسور بانا إبراهيم، أن الجزائر والنيجر قادرتان على إرساء تنسيق منتظم بين مؤسسات الدفاع والأمن، وتدريب الأفراد، وتبادل المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة، وتعزيز وسائل مراقبة الحدود، شريطة أن يتوسع التعاون إلى إدارات الجمارك، والمصالح المكلفة بمكافحة التهريب، والسلطات المحلية.

وفي السياق، يجزم محدثنا، وهو كذلك نائب رئيس اللجنة الدبلوماسية للدورات الكنفدرالية لبرلمانات تحالف دول الساحل، أن الخيار الجديد سيحسّن الظروف اللازمة لتنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى المشتركة، وعلى رأسها أنبوب الغاز العابر للصحراء.

ما هي الدلالة الرمزية والدستورية التي تمنحونها لقرار البرلمان الجزائري؟

أعتقد أننا نشهد تطورا مهما في العلاقات بين النيجر والجزائر. لكن لفهم أبعاد هذا التطور، ينبغي النظر إلى ما هو أبعد من القرار العسكري في حد ذاته.

يشترك بلداننا في تاريخ واحد، وروابط اجتماعية، وتبادلات اقتصادية، وواقع أمني لا يتوقف عند الحدود الموروثة عن الاستعمار. فالروابط الإنسانية التي تجمع سكان الصحراء أقدم بكثير من نشأة دولنا الحديثة.

إن القرار الذي اتخذته المؤسسات الجزائرية يومي 25 و26 أكتوبر 2026 يعكس إرادة سياسية تهدف إلى إضفاء بُعد عملي على هذه العلاقات المتجذرة.

أما من الناحية الدستورية، فإن هذا القرار يكتسي أهمية خاصة؛ إذ تستند الجزائر إلى الأحكام التي أُدرجت في دستورها لعام 2020 للسماح بإرسال قوات عسكرية إلى الخارج. ويشكّل هذا الخيار تحولا عن تقليد طويل من التحفظ في ما يتعلق بإشراك القوات الجزائرية خارج حدود البلاد.

ومن وجهة النظر النيجرية، فإن العنصر الأساسي يتمثل في أن هذا التعاون يأتي استجابة لطلب صادر عن سلطاتنا السيادية.

ومع ذلك، أود التأكيد على أن الثقة الحقيقية بين دولتين لا تُقاس بمجرد وجود قواتهما العسكرية على الأرض نفسها، بل تُقاس باحترام الالتزامات، وتكافؤ المصالح، والقدرة على الحفاظ على سيادة كل طرف بصورة مستدامة.

ووفق هذه المعايير، ينبغي تقييم هذه المرحلة الجديدة من العلاقات بين البلدين.

ما هي الحصيلة العملية التي يمكن استخلاصها حتى الآن من الانتشار العسكري المعلن عنه؟

ينبغي التمييز بين النتائج التي تحققت بالفعل في إطار تعاوننا العسكري، وبين الانتشار العسكري الذي اتّخذ القرار بشأنه مؤخرا.

لقد سجلنا بالفعل خطوات ملموسة، من بينها تسليم الجزائر أربع مروحيات إلى جيشنا في أوت 2026. وتُعد هذه المساهمة في تعزيز قدرات القوات المسلحة النيجيرية واقعة قابلة للتحقق.

أما بخصوص الانتشار العسكري الجديد، فمن السابق لأوانه تقديم حصيلة عملياتية بشأنه، ما دامت تفاصيل تنفيذه ونتائجه الأولية لم تحدّد علنا بعد.

وما يمكننا تقييمه اليوم هو الأهداف المتوخاة منه.

إن حماية المنشآت الطاقوية، وتأمين المحاور الاقتصادية، ومراقبة بعض المناطق الحدودية، كلها أهداف تستجيب لاحتياجات حقيقية. فالصحراء تعبرها شبكات تجارية مشروعة، لكنها تشهد أيضا أنشطة الجريمة المنظمة وتحركات الجماعات المسلحة.

ومع ذلك، ينبغي ألا نخلط بين تأمين منشأة طاقوية وحل مجمل المشكلات الأمنية التي تواجه النيجر.

وبالنسبة إلينا، يجب أن يتجسد نجاح هذا التعاون في نتائج قابلة للقياس، تتمثل في انخفاض الهجمات، وتحسين حماية السكان، وتوفير مزيد من الأمن للناقلين، وضمان تنقل أكثر أمانا للأشخاص والبضائع.

وانطلاقا من هذه النتائج، لا من مجرد الإعلانات، يمكننا تقييم هذا التعاون والحكم على مدى فعاليته.

كيف يمكن تحويل البروتوكول العسكري إلى آلية مستدامة للأمن والتنمية؟

لا تكون للاتفاقية العسكرية قيمة مستدامة إلا إذا أسهمت في بناء قدرات وإنشاء آليات تواصل العمل حتى بعد زوال الظروف التي استدعت توقيعها.

وأعتقد أن بلدينا قادران على العمل من أجل إرساء تنسيق منتظم بين مؤسسات الدفاع والأمن، وتدريب الأفراد، وتبادل المعلومات الاستخباراتية ذات الصلة، وتعزيز وسائل مراقبة الحدود.

لكن ينبغي أن يمتد هذا التعاون أيضا إلى إدارات الجمارك، والمصالح المكلفة بمكافحة التهريب، والسلطات المحلية.

فلا يمكن مكافحة التهريب عبر الحدود بالوسائل العسكرية وحدها؛ بل يتعين كذلك محاربة الشبكات المالية التي تموّله، وتحسين أداء المعابر الحدودية، وتطوير البدائل الاقتصادية المتاحة للسكان.

وأعتقد، قبل كل شيء، أنه ينبغي تجنب خطأ وقعت فيه عدة دول إفريقية، وهو الاعتقاد بأن الوجود العسكري الأجنبي، حتى وإن كان تابعا لدولة صديقة، يمكن أن يحل بصورة دائمة محل بناء قدراتها الدفاعية الذاتية.

ويجب أن يظل هدفنا الأساسي هو تعزيز القدرات النيجيرية، في إطار شراكة تحدّد فيها المهام والمسؤوليات والحدود بوضوح.

فالأمن ينبغي أن يتيح التنمية، والتنمية بدورها يجب أن تسهم في الحد من العوامل التي تغذي انعدام الأمن وتكرّسه.

هل يمكن لهذا التعاون أن يسرّع تنفيذ المشاريع الاقتصادية الكبرى، ولاسيما مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء؟

بالتأكيد، يمكن للتعاون الأمني الفعّال أن يحسّن الظروف اللازمة لتنفيذ مشاريعنا المشتركة، لكنه لا يكفي وحده لضمان نجاحها.

لنأخذ مشروع أنبوب الغاز العابر للصحراء مثالا. إنه مشروع يهم ثلاث دول، هي نيجيريا والنيجر والجزائر، ويمكنه إنشاء ممر طاقوي مهم يربط إفريقيا جنوب الصحراء بشمال إفريقيا والأسواق الدولية.

وبالنسبة إلى النيجر، ينبغي ألا تقتصر الفائدة على مجرد مرور أنبوب الغاز عبر أراضيها.

بل يجب أن نسعى إلى ضمان عائدات عادلة، وتوفير فرص عمل لشبابنا، وتطوير الكفاءات التقنية، وإنجاز البنى التحتية المصاحبة، والاستفادة، متى سمحت الظروف الاقتصادية والتقنية بذلك، من انعكاسات المشروع على تحسين حصول بلادنا على الطاقة.

وينطبق الأمر نفسه على الاستثمارات النفطية والتبادلات التجارية.

إن تأمين المنشآت أمر ضروري، لكن يجب أن يلمس السكان بصورة ملموسة الفوائد التي تحققها هذه الاستثمارات.

ولدينا أيضا إنجازات أخرى ينبغي تعزيزها، فدخول وصلة الألياف البصرية العابرة للصحراء بين الجزائر والنيجر حيز الاستغلال يبيّن أن تعاوننا قادر على تحقيق نتائج ملموسة في مجال البنى التحتية الرقمية.

وأنا مقتنع بأن أفضل وسيلة لمنح تقاربنا بعدا مستداما تتمثل في ضمان انعكاس آثاره إيجابيا على ظروف حياة السكان.

ما هو الدور الذي يمكن أن تؤديه الدبلوماسية البرلمانية النيجيرية في هذا التعاون؟

أود أن أوضح مسألة مؤسساتية، فالنيجر تمر حاليا بمرحلة إعادة التأسيس، ومؤسستنا، وهي المجلس الاستشاري لإعادة التأسيس، لا تمارس الاختصاصات نفسها تماما التي يمارسها البرلمان في ظل نظام دستوري عادي.

غير أن ذلك لا يمنعنا مطلقا من الإسهام في الدبلوماسية البرلمانية، من خلال أعمالنا وتوصياتنا والحوارات التي يمكن أن نجريها مع المؤسسات التمثيلية في الدول الأجنبية.

وبصفتي رئيس اللجنة الجيوسياسية والبيئة الدولية، أرى أن الحوار المؤسساتي مع نظرائنا الجزائريين يستحق مزيدا من التطوير.

ويمكننا التفكير في تنظيم لقاءات وتبادلات مع اللجان المختصة في المجلس الشعبي الوطني ومجلس الأمة الجزائريين، بشأن قضايا التعاون الإقليمي والأمن والتنمية والتكامل الاقتصادي.

وسيكون من المفيد أيضا إشراك ممثلي المجتمعات الحدودية، والفاعلين الاقتصاديين، والسلطات التقليدية بصورة أكبر.

فالعلاقة بين بلدين ينبغي ألا تعتمد حصريا على طبيعة العلاقات بين قادتهما في المرحلة الراهنة، بل يجب أن تُبنى تدريجيا من خلال المؤسسات والمصالح المشتركة.

وأخيرا، ينبغي أن نظل منتبهين إلى محيطنا الإقليمي، فالنيجر تنتمي إلى كونفدرالية دول الساحل، التي تضم مالي وبوركينا فاسو. ولذلك يجب أن يكون تعزيز تعاوننا مع الجزائر منسجما مع التزاماتنا الكونفدرالية.

وتتمثل مصلحتنا في تعزيز التكامل والحد من التوترات الإقليمية، لا في استبدال التنافسات القديمة بتنافسات جديدة.

ما هي الرسالة التي تودون توجيهها إلى الشركاء الإقليميين والدوليين بشأن هذا النموذج من التعاون الإفريقي- الإفريقي؟

الرسالة التي أود التأكيد عليها بسيطة: يجب أن تكون الدول الإفريقية قادرة على تحديد أولوياتها الأمنية بنفسها، واختيار الشراكات التي تراها منسجمة مع مصالحها البحرية.

لقد أكدت النيجر إرادتها في استعادة السيطرة الكاملة على خياراتها السياسية والاقتصادية والأمنية.

ولا يعني هذا التوجه أن علينا الانعزال أو رفض كل أشكال التعاون الدولي، بل يعني أن التعاون يجب أن يقوم على احترام سيادتنا وعلى مصالح محددة بوضوح.

والجزائر دولة إفريقية تربطنا بها حدود مشتركة وتاريخ واحد والعديد من القضايا ذات الاهتمام المشترك. ومن الطبيعي، بالتالي، أن نسعى معا إلى إيجاد حلول لبعض التحديات التي تواجهنا.

لكنني أعتقد أنه ينبغي توضيح أمر مهم: إن وجود قوات عسكرية تابعة لدولة مجاورة لا يجعل التعاون ناجحا تلقائيا لمجرد أن هذه الدولة إفريقية.

إن ما سيصنع الفارق هو شروط هذا الالتزام، والاحترام الفعلي للسيادة النيجيرية، والنتائج المحققة، وغياب الآليات التي قد تؤدي إلى تكريس التبعية على المدى الطويل.

وهذا المبدأ هو الذي ينبغي أن يوجّه شراكات النيجر في المجال الأمني.

فإذا أتاح تعاوننا مع الجزائر حماية السكان بصورة أفضل، وتعزيز قدراتنا الذاتية، ودعم مشاريعنا الاقتصادية، فإنه يمكن، عندئذ، أن يشكّل تجربة مفيدة لدول إفريقية أخرى.

ما هي كلمتكم الأخيرة التي تودون توجيهها إلى الشعب الجزائري؟

أود، في البداية، أن أوجّه إلى الشعب الجزائري رسالة أخوة وتقدير.

فشعبانا لم يتعارفا اليوم؛ بل تربطهما علاقات ممتدة منذ أجيال، من خلال التجارة والهجرة والروابط العائلية وحياة المجتمعات الصحراوية.

وتدرك النيجر تاريخ الشعب الجزائري وتضحياته من أجل الاستقلال، ومدى تمسكه بسيادته الوطنية.

ومن جانبنا، نخوض مسارنا الخاص لإعادة التأسيس، بما يرافقه من واقع وتحديات وطموحات.

وأتمنى أن تشكّل هذه المرحلة الجديدة من علاقاتنا محطة لبناء ثقة مستدامة، قائمة على الاحترام المتبادل والإنجازات التي تعود فوائدها مباشرة على شعبينا.

وأن تظل الحدود التي تفصل بيننا إداريا فضاء للقاء والتبادل والتعاون.

والأهم من ذلك، أن يسهم تقاربنا في بناء منطقة صحراوية يتيح فيها الأمن للسكان العيش والعمل والتجارة والتنقل بكرامة.

عاشت الصداقة بين الشعبين النيجيري والجزائري. حفظ الله بلدينا، وصان السلام في منطقتنا.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!