التقسيط والقروض لمواجهة التهاب الأسعار !
بعد انقضاء صيف ساخن أثقل كاهل العائلات الجزائرية بمصاريف فرضتها عادات استقبال شهر رمضان وعيد الفطر، وبعدها مصاريف العطلة والأعراس وولائم الناجحين في البكالوريا..، استقبل الجزائريون الدخول الاجتماعي على وقع ارتفاع صامت لأسعار المواد الاستهلاكية، وتزامن الدخول المدرسي مع عيد الأضحى المبارك، ما جعل العائلات تختار بين تأمين الملابس والأدوات لأطفالها أو شراء الأضحية ومنها من اختارت الاثنين باللجوء إلى “الكريدي”..!
ارتفاع الأسعار يفسد فرحة المواطنين بزيادة الأجور
القدرة الشرائية للجزائريين تنهار مع انهيار الدينار
استقبل الجزائريون الدخول الاجتماعي هذا العام على وقع ارتفاع أسعار المواد الاستهلاكية بمختلف أصنافها، بداية مع ارتفاع أسعر السيارات بـ09 بالمائة، والمواد الغذائية بـ08 بالمائة والأدوات المدرسية بـ10 بالمائة والأجهزة الكهرومنزلية بـ15 بالمائة، ناهيك عن ارتفاع أسعار الأضاحي ومختلف أنواع المواد المستهلكة.
وتتزامن هذه الزيادات مع إعلان الحكومة سياسة التقشف التي بدأت ويلاتها تعكر حياة المواطنين، خاصة منهم المرضى، في ظل ندرة غير مسبوقة في العديد من الأدوية الحساسة وتقليص علب شرائح قياس السكري إلى علبة لكل ثلاثة أشهر..

هذه الزيادات في الأسعار التي ألفها الجزائريون بين الفينة والأخرى أفسدت فرحة الزيادات في الأجور التي شملت عددا كبيرا من الموظفين منذ سنوات والتي ستستمر نسبيا بإلغاء المادة 87 مكرر، فانهيار القدرة الشرائية للجزائريين في ظل ارتفاع الأسعار التي فرضها انهيار الدولار ستوسع من دائرة الفقر وسط المواطنين، خاصة في ظل تجميد التوظيف في القطاع العام، وسيدفع الحكومة إلى مراجعة سياسة الدعم التي تستنزف سنويا آلاف الملايير سنويا.
وبدأ انهيار قيمة الدينار التي بلغت نسبة 22 بالمائة يقلق الجزائريين أكثر من أي وقت مضى، في ظل إعلان بنك الجزائر عن تراجع غير مسبوق في احتياطي الصرف، وارتفاع الأسعار وإعلان التقشف ما يجعل الاقتصاد الجزائري يدخل الخانة الحمراء ويجعل الجزائريين يواجهون مستقبلا مجهولا يضربون فيه ضريبة الاعتماد على اقتصاد “ريع المحروقات“.
لجوء أغلب العائلات لشراء الأدوات.. الملابس والأضاحي بالتقسيط
“شهرية” واحدة لمواجهة الدخول الاجتماعي والعيد!

تبقى العائلات الجزائرية ذات الدخل المتوسط والضعيف في حيرة من أمرها لتزامن الدخول المدرسي لهذه السنة، مع عيد الأضحى المبارك، فالكثير وقع بين أمرين لا يستطيع الفرار منهما، كبش العيد ومصاريف الدخول المدرسي التي أرهقت جيوب المواطنين، كيف لا وقد أصبح الدخول الاجتماعي بالنسبة للعائلات مكلفا للغاية، نتيجة غلاء الأسعار والملابس والكتب المدرسية وأدوات الدراسة، مما يلجئ الكثير من المواطنين إلى الاقتراض أو الكريدي إن أتيحت لهم الفرصة، خاصة وأن العائلات الفقيرة والمتوسطة لها فرحة خاصة عند شراء كبش العيد للتقرب من المولى عز وجل وإحياء سنة سيدنا ابرهيم الخليل .
إلى جانب ذلك تستعد العائلات للدخول الاجتماعي والدخول المدرسي بعد العطلة، أين هناك تكاليف باهظة، فمعدل دخول الطفل الواحد إلى المدرسة يفوق 10 آلاف دج، تكاليف المحفظة والملابس، مما خلف أزمة مادية حقيقية لرب الأسرة ذي الدخل الضعيف، الذي يبقى يصارع ويكابد من اجل إدخال البسمة والفرحة ومشاركة الأطفال فرحة العيد وفرحة الدخول المدرسي.
وما زاد من صعوبة هذه التكاليف للعائلات هو الارتفاع الجنوني الذي يشهده السوق في كل المستلزمات من الخضر إلى الأدوات المدرسية والملابس وآخرها كبش العيد، الذي أكد فيه الموالون أن ارتفاع الأسعار راجع إلى كثرة الطلب، فتبقى بورصة الخروف في ارتفاع مستمر من 35 ألف دج إلى 60 ألف دج، والكبش من 60 إلى 100 ألف دج، هذا الارتفاع يزيده إصرار وتحدي المواطنين لمواجهة هذه الأسعار، وهو ما أدلى به أحد المواطنين متوسطي الدخل “نشري العيادة ولو بالكريدي“.
أسعار الأضاحي لم تعد في متناول العائلات البسيطة
شراء الأضاحي بالتقسيط يتحول إلى ظاهرة
دفعت مصاريف الدخول الاجتماعي وتزامنه هذه السنة مع عيد الأضحى العديد من الموالين للإعلان عن عروض بيع أضاحي العيد بالتقسيط بالنسبة لمعارفهم وجيرانهم في الحي، فيما فضلت العديد من السيدات الاستعانة بمجوهراتهن ورهنها في بنك الذهب حتى يتمكن من مواجهة المصاريف الباهظة التي في انتظارهم.
وجد تجار المواشي في ترويجهم لأضاحي العيد بعبارة “إمكانية الدفع بالتقسيط” وسيلة لتفادي عزوف المواطنين عن اقتنائها في ظل ارتفاع أسعارها مؤخرا، وتزامن فترة العيد مع الدخول المدرسي الذي أثقل كاهل الأولياء وأنهك ميزانيتهم، وإن كانت بعض المؤسسات تعمد إلى اقتناء كمية من الأضاحي، ثم بيعها بالتقسيط لموظفيها بخصم المبلغ شهريا من مرتباتهم، ومؤسسات أخرى تقدم منحة عبارة عن مبلغ مالي كإعانة لموظفيها عشية العيد، بل حتى إن بعض الموالين قد أعلنوا عن عمليات البيع بالتقسيط على موقع “واد كنيس“.
فقد عمد بعض التجار على مستوى بعض أحياء العاصمة لبيع الأضاحي بالتقسيط. يقول أحد الباعة بحسين داي، أنه متعود في كل سنة على جلب عدد معتبر من الخرفان ليقوم ببيعها لجيرانه وسكان الحي، فمع أنه لم يجلب بعد الخرفان هذه السنة، إلا أن أغلبيتها قد بيع، فالجميع يبحث عن خروف سعره في حدود 40 ألف دينار ولا يتجاوز 50 ألف دينار، مضيفا أن بعض جيرانه طلبوا منه أن يقسط لهم ثمن الأضاحي، وقد اتفقوا على أن يتم التسديد على ثلاث دفعات الدفعة الأولى بمجرد جلبه الأضحية.
علي بن زينة رئيس المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ :
عدد كبير من العائلات اشترى الأدوات المدرسية بالتقسيط
أكد علي بن زينة، رئيس المنظمة الوطنية لأولياء التلاميذ أن الأولياء متوسطي الدخل لم يتمكنوا هذا العام من اقتناء الأدوات المدرسية في ظل التهاب أسعارها، فما بالك بالفقراء، وهو الأمر الذي يدفعهم للجوء إلى الكريدي لتوفير ما يحتاجه أبناءهم، إلا أن هؤلاء لا يحصلون على النتيجة المرجوة من الطاقم التربوي، حيث ضرب مثالا بتلميذ معيد أراد المشاركة في القسم لترفض المعلمة ذلك بحجة أنه معيد للسنة، قائلا أن التضحيات التي يقدمها أولياء التلاميذ الزوالية يجب أن تؤتي ثمارها بتكاتف جميع الجهود، مشيرا إلى ما تقوم به بعض المؤسسات والإدارات بتوفير الأدوات المدرسية لأبناء الموظفين لديها، وهو أمر جيد لو يتم تعميمه حتى يخفف العبء على المحتاجين على حد تعبيره، مضيفا أنه زيادة على مشكل غلاء أسعار الأدوات، يواجه الأولياء مشاكل لا تعد ولا تحصى مع بداية كل موسم دراسي جديد وحتى نهايته.
واصطدم الكثير من الأولياء بالارتفاع الرهيب لأسعار الأدوات المدرسية، حيث يتجاوز سعر محفظة التلميذ الواحد مليون سنتيم، وهو ما أوقع الكثيرين منهم في ضائقة مالية، خاصة وأن الدخول الاجتماعي تزامن مع عدة مناسبات، كما لا تفصله سوى أيام قليلة عن عيد الأضحى المبارك، وهو ما جعل الكثير من العائلات الجزائرية تلجأ إلى الاستدانة لتغطية المصاريف التي أثقلت كاهلها.
الدخول المدرسي يفرغ جيوب “الزوالية” في بجاية
تعرف المحلات والمكتبات بمدينة آقبو ببجاية وضواحيها على غرار تازمالت وأوزلاڤن إقبالا وطوابير تلفت النظر من طرف أرباب العائلات وذلك لاقتناء المستلزمات المدرسية لكل الأطوار الدراسية لأبنائهم في جو من الحيرة البادية على وجوههم أمام أسعار الأدوات المدرسية التي اعرب عنها بعض المواطنين في حديث مع “الشروق“، حيث أشار هؤلاء أن الدخول المدرسي هذه السنة تزامن مع عدد من المناسبات منها رمضان الكريم وعيد لفطر، ويقابلها عيد الأضحي مع هذا الدخول المدرسي، فبالنسية لهاته الفئة المحدودة الدخل يصعب عليها تحمل تكاليف مناسبتين مع صرف ميزانيتها خلال شهر رمضان الكريم وعيد الفطر ليأتي الدخول المدرسي يقضي على مدخراتهم الباقية، خاصة بالنسبة للذين لديهم أكثر من طفل متمدرس يضيف هؤلاء، في حين يشير التجار أن الكراس بقي على ثمنه، وفي المقابل أكد الموطنون البسطاء ممن تحدثنا معهم يبقى المنتج الوطني هو السبيل.
عضو المجلس الوطني لمستخدمي الإدارة العمومية فاطمي عبد القادر:
أجر الكرامة في الجزائر لا يقل عن 55 ألف دينار

اعتبر عضو المجلس الوطني لمستخدمي الإدارة العمومية (سناباب) فاطمي عبد القادر في تصريح (للشروق)، أنه حتى يتمكن أي موظف جزائري بسيط من توفير مستلزمات أبنائه الدراسية، وشراء أضحية العيد بـ44 ألف دج، عليه أن يدخل في سبات لأكثر من شهرين، لا يأكل ولا يشرب…، مؤكدا أن رواتب الجزائريين لا تكفي لقضاء أقل الحاجات، وغالبيتها تذهب للأكل والشرب فقط، وأكد محدثنا أن أقل أجر حيوي يكفي لإعالة أسرة لا بد أن لا يقل عن 55 ألف دج، “ولكن عليهم أن ينسوا تمضية عطلة مريحة، أو الذهاب للمناسبات الأجتماعية…”، ويضيف “كان ينتظر أن يرتفع الأجر الشهري أوتوماتيكيا بعد الغاء المادة 87 مكرر، لكن الحكومة زادت من الاقتطاعات، فظل الأجر على حاله“.
وأشارت آخر إحصاءات للديوان الوطني للإحصائيات بارتفاع متوسط الأجر الشهري خارج قطاعي الفلاحة والإدارة في الجزائر خلال عام 2014 بنسبة نمو بلغت 4 .8 بالمائة، حيث قفز متوسط الأجر من 36.104 دج سنة 2013 إلى 37.800 دج سنة 2014، وبلغ الأجر المتوسط الشهري الصافي 52.700 دج في القطاع العام و31.000 دج في القطاع الخاص سنة 2014. ومع ذلك لايزال مرتب المواطن الجزائري، يكفيه فقط للأكل والشرب لاغير.
زكي حريز رئيس فدرالية حماية المستهلك
تجار يستغلون “الكريدي” لرفع الأسعار
حذر رئيس الفيدرالية الوطنية لحماية المستهلك، زكي حريز، الجزائريين من التمادي “في الكريدي” من خلال استقدام الكماليات، لأن ذلك حسبه، يؤدي للسقوط في مجتمع استهلاكي يتخبط في مشاكل نفسية قد ترفع من حدة “الانتحار” و“الاحتيال” مثلما هو الحال في الدول الاستهلاكية الغربية. وأوضح حريز، أن البيع بالتقسيط في المحلات التجارية يمكن أن يكون حلا لبعض المستهلكين، ولكن المشكل أن البائع يضمن من خلال البيع بـ“الكريدي” الوقت الضيق فيضيف لسعر السلعة فائدة 20 بالمائة، وبهذا فإن المواطن يجد نفسه أمام ارتفاع في أسعار المواد الاستهلاكية التي يقتنيها بالتقسيط.
وطالب رئيس الفيدرالية الوطنية لحماية المستهلك، بتعديل جدول أوقات العمل في الشركات والمؤسسات العمومية، حتى يتمكن المواطن من إيجاد حلول ناجحة من خلال ممارسة نشاطات حرة بعد انتهاء فترة عمله أو وظيفته الأساسية، وقال إن هذه الطريقة تنتهجها بعض الدول العربية.
ويرى حريز، أن أفضل حل لمواجهة الدخول الاجتماعي والذي تزامن مع ارتفاع الأسعار وتعدد المناسبات كعيد الأضحى، هو التضامن الذي يحقق الراحة النفسية والتلاحم في المجتمع الجزائري، وأكد رئيس الفيدرالية الوطنية لحماية المستهلك، أن القرض الاستهلاكي الذي أقرته الحكومة مخرج نجاة، ولكن يقول “إننا تناقشنا مع الحكومة حول موضوع القرض الربوي، بعدم رفضه بصفة عامة، ولكن بتوفير منتجات بنكية تتعاطف مع الشريعة الإسلامية“.