التكاثر من أجل الاستمرار.. والضحية أطفال أبرياء
تعتمد المرأة الجزائرية، منذ أجيال خلت، استراتيجية تتنافى مع الواقع والمنطق، في حال فشلها في الحفاظ على زواجها، من خلال مؤهلاتها الشخصية وكسب قلب شريكها، فتلجأ لإنجاب المزيد من الأطفال، بداعي المقولة الشهيرة بينهن: “شديه بولادو..”، أي إن الرجل سيمتنع عن الطلاق بسبب كثرة الأطفال، تعلقا وحبا فيهم، أو خوفا من مصاريف النفقة والإيجار التي ستثقل كاهله.
تعيش نسبة لا بأس بها من الجزائريات طلاقا روحيا، داخل بيوت لا يملؤها ود، ولا يحيطها استقرار، مع ذلك، فإنهن يلجأن إلى التكاثر بشكل غير معقول، لا يستخدمن لمنع الحمل أي تدابير، على العكس من ذلك، فإنهن ورغم المعاملة السيئة من الزوج والصراع الدائم وكثرة المشاكل التي تجعل الحياة جحيما لا يطاق، يجتهدن ويخططن بحكمة بالغة لوقوع الحمل، لا يهم كيف سينشأ هؤلاء الأطفال، وغير مهم كيف ستكون حالتهن النفسية في أسرة مفككة سامة، ولا ظروفهم الاجتماعية المادية.. المهم، أن يكونوا هناك، ورقة رابحة في يد الأم تسعى من خلالها قدر الإمكان لضمان استمرار زواجها والضغط على الأب.
الإنجاب غير المدروس
يخلف جيلا من المحرومين عاطفيا وماديا
نظرية على قدمها، ونجاعتها في السابق، إلا أنها كانت تجدي نفعا مع الكثيرات اللواتي أبقين على زواجهن بفضل الأبناء، عادة ما تخبرك أنها تصبر لأجلهم ولا يهمها إجحاف الزوج أو جفاؤه. المهم، ألا تطلق وتعود إلى بيت أهلها ومعها عدة أطفال، أنجبتهم أساسا لذات الحجة هذه أيضا. يقول الخبير الاجتماعي، الأستاذ لزهر زين الدين: “انبثقت هذه الأفكار في المجتمع الجزائري من كون المرأة في ما مضى كانت تقدر بعدد أولادها، وصبرها على تربيتهم، أما اليوم، فهناك معايير أخرى تصنع مجد النساء كالعلم والعمل، حتى وإن لم ينجبن. لكن، لا يمكن إنكار أن الثقافة السابقة لا تزال هي المسيطرة”.. وكنتيجة لمثل هذه الأفكار وعدم تكيفها مع وتيرة التغيير، والانفتاح الواسع الذي تشهده المجتمعات اليوم، تتوسع تدريجيا رقعة الآفات المنتشرة، ويزيد الخلل الاجتماعي في التمدد. تقول الأخصائية في علم النفس: “الإنجاب هو الطريقة الوحيدة لتوسيع الأسرة، ويحتاج الأمر إلى دراسة جميع الظروف التي تجعل العملية صحية وسليمة، فوجود أشخاص غير مرغوب بهم، أو لا تتوفر لهم جميع أو أغلب المؤهلات المادية والنفسية، يشكل خللا من نوع خاص. لهذا، فإن قرار الإنجاب في وقتنا الحالي لا يجب أن يكون بتلك السهولة التي تخلف لنا جيلا من المضطربين، الذين يعانون من الحرمان المادي أو العاطفي..”.
أزواج يتحايلون على القانون بعد أن فاضت الكأس
رغم كل التجارب الاجتماعية والأفكار المتوارثة، فإن نسب الطلاق مع وجود عدة أطفال مرتفعة جدا في الجزائر، فهي لا تعكس أبدا نظرية مثبتة أن الأولاد يشكلون صك ضمان لاستمرار الزواج، على العكس، فإن وجودهم يصبح خطيرا أكثر في علاقات فاشلة أساسا، وهو ما يعكسه نوع القضايا المعروضة في المحاكم الجزائرية، لأمهات ينجبن كثيرا ثم يتخلين عن الحضانة بمجرد الطلاق، أو أزواج يتحايلون على القانون، ليتملصوا من مسؤوليات النفقة والإيجار، فالكثير من النساء يجدن في تعدد الأبناء وارتفاع نفقتهم حاجزا يمنع الأب من التطليق أو الزواج ثانية، فيما يظن أزواج أن الأم لا يمكن أن تتخلى عن أبنائها لتعيد الارتباط، فيما يؤكد جابر ربيع، محام لدى مجلس البليدة، أنه وفي كامل الأحوال المدنية، سيكون الأطفال الضحية رقم واحد، فهناك آلاف الآباء، يزورون كشوف رواتبهم، أو يؤجرون لطليقاتهم بيوتا لا تصلح للعيش بعد الانفصال حتى يسقط عنهم حق الإيجار، وبعضهم يجد الحجج المبررة للتهرب من النفقة. من جانب آخر، تستسلم النساء المعدومات خاصة للتخلي عن فلذات كبدهن، لعدم قدرتهن على تحمل مسؤوليتهم بعد الطلاق، كنتيجة أخرى للإنجاب من زواج يجمع طرفين متنافرين.. تصلنا قضايا لا تعد لتعنيف أسري، وإهمال وحتى قضايا اعتداءات بشعة”. لهذا، تسعى حركات منظمة ناشطة في مجال الأسرة، للتحسيس المستمر عبر حملات يمتد صداها إلى قاعات العلاج والمراكز الطبية، حيث النساء للمباعدة بين الولادات، وترقيع المشاكل الأسرية، قبل إقحام المزيد من الأشخاص الأبرياء فيها.