التونسيون.. من هرمنا إلى كرهنا
مرت سنتان على هروب الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي، دون أن يجد التونسيون تلك الدولة الفاضلة التي حلموا بها والتي انتظروها طويلا حتى هرموا على حد تعبير الناشط احمد الحفناوي الذي صرخ قائلا “هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، ليعود بعد سنتين ويطلق عبارة أخرى وهي “كرهنا” في وصفه للخيبة التي يشعر بها التونسيون الذين لازالوا يعيشون أوضاعا إقتصادية مزرية.
وبعد سنتين من الإطاحة بنظام زين العابدين، لازال التونسيون يبحثون عن الاستقرار السياسي في ظل الخلافات الموجودة بين أطراف الترويكا الحاكمة، كما أن ظهور تحدي السلفية وخطابها العنيف بدأ يطرح تخوفات جدية من انزلاق الأوضاع إلى استخدام العنف في التعبير على الأفكار، وقد بدأت بالفعل إرهاصات ذلك من خلال مهاجمة العديد من الأماكن التي يقصدها السياح الأجانب.
.
زين العابدين فرّ من قاتل مفترض حذرته منه فرنسا وخطط للعودة في نفس الطائرة
تفاصيل ليلة الهروب… أو الخديعة الكبرى
الجنرال السرياطي عقد صفقة لتهريب بن علي.. وملثمون أداروا البلاد في الساعات الأخيرة!
كتبت ليلى الطرابلسي “حقيقتها” لتنفي عن زوجها قصة الهروب، خصوصا أن بن علي لم ينزعج من تركه السلطة بقدر ما أزعجه حديث الكثيرين المتصاعد عن الجنرال الهارب، لا بل انه تحول إلى نكتة، من خطابه الأول “راني فهمتكم” وصولا للمشهد الأخير على الطائرة، وهي تحمل زين الهاربين متجهة به نحو أيّ مطار يستقبله؟!
تتهم ليلى الطرابلسي الجنرال الأقوى في مؤسسة الرئاسة، علي السرياطي، وتقول أنه “قبّل يديّ بن علي” محاولة منه لإقناعه بترك تونس والعودة لها فيما بعد.. وافق زين العابدين، بعد ما ألح بالمقابل على السرياطي أن يبقى في تونس، ويحمي قصر قرطاج، مهمته الرئيسية الأولى بعد الحفاظ على حياة العائلة الحاكمة.. غادر بن علي نحو السعودية، وعاد السرياطي أدراجه نحو القصر الرئاسي بعد ما كان قد أجرى اتصالا هاتفيا مع طرف مجهول، قال له بعبارة صريحة ومقتضبة: انتهت المهمة، غادر بن علي، ولن يعود لتونس أبدا؟!
في ذلك اليوم، الجمعة 14 يناير 2011 اجتمع غالبية أفراد أسرة الطرابلسي المقرّبين عند ليلى بن علي. كان رئيس الأمن الرئاسي علي السرياطي أرسل لهم سيارات رباعية الدفع لجلبهم إلى القصر دون علمها. وكان قد أخطرهم أن الأمور تشتعل وأنه سيتولّى حجز أمكنة لهم في الطائرات المغادرة إلى ليون بفرنسا، أو إلى طرابلس بليبيا. واستعدّ الجميع للتوجه إلى مطار تونس- قرطاج.
بن علي.. سر المكالمة الأخيرة!
تكتب ليلى بن علي قائلة: “حوالي الساعة الثالثة والنصف من يوم 14 يناير تلقيت اتصالا هاتفيا من قصر قرطاج. كان المتحدث هو زوجي وقد اقترح علي الذهاب لأداء العمرة برفقة ابني محمد وابنتي حليمة. لقد أصابتني الدهشة وسألته: لماذا هذا السفر المفاجئ إلى المملكة العربية السعودية؟! فأجاب: “ستبقون هناك فقط حتى تعود الأمور إلى حالتها الطبيعية. وستعودين بعد ثلاثة أو أربعة أيام”.
وتعلّق ليلى بن علي على هذا الحوار الذي بدا لها غريبا ومفاجئا بتأكيدها أن علي السرياطي، كان هو صاحب الاقتراح. كما تؤكد أنها لم تفهم ضرورة ذلك ولا إلحاحه. وتتساءل ليلى بن علي: كيف يمكن الاعتقاد أن عدة آلاف من المتظاهرين يمكن أن يشكلوا خطرا يرغمنا على الرحيل؟ وتؤكد في معرض الرد على هذا التساؤل قولها: “كنت واثقة بزوجي”، وهو الذي كانوا يلقبونه بجنرال الأزمات، وبالتالي كنت على اقتناع بأنه قادر على إيجاد الحلول وإخراج البلاد من الاضطرابات التي كانت تهزها هزا عنيفا، بدا لحظتها غير قابل للتدارك.
مع ذلك كله، قبلت باقتراحه الذهاب إلى السعودية دون اقتناع كبير. وعند الساعة الرابعة بعد الظهر ذلك اليوم غادرت الأسرة قصر سيدي بوسعيد، واصطحبت معها ما هو ضروري جدا ومن بين ذلك العباءة المكرّسة لأداء العمرة.
بن علي هرب.. بن علي هرب!
في تلك اللحظة بالذات، وبينما كان المحامي عبد الناصر العويني، يهتف في شوارع تونس “بن علي هرب… بن علي هرب” جلس الوزير الأول محمد الغنوشي رفقة رئيس البرلمان فؤاد المبزع وهما حائران فيما يحدث حاليا في تونس وينتظران بفارغ الصبر ما قد ينجلي الآن من اتفاق مع هذا الطرف المجهول الذي يحكم تونس حاليا.. هل هو الجيش ممثلا في الجنرالات بقيادة رشيد عمار؟ أم الأمن العسكري قرر التضحية بزين العابدين مقابل صفقة سرية جعلته آخر المحاكمين في تونس ما بعد الثورة؟!
تقول ليلى الطرابلسي في كتابها أن بن علي كان ضحية انقلاب مبرمج.. وما فعله السرياطي لم يكن تصرفا فرديا وإنما جزء من مهمة أو صفقة عقدها مع جهات انقلبت على الرئيس، فخيّل له أن حياته مهددة وأحد حراسه سيغتاله في الساعات المقبلة، ثم أوهمه بأن الرحلة ستصل بعائلته وأولاده الى طرابلس في ليبيا، ثم يرجع مع الطائرة غدا دون أن يعلم أحد أن الرئيس قد غادر أصلا في تلك الفترة المضطربة؟
تؤكد مؤلفة الكتاب وزوجة الرئيس التونسي السابق ليلى بن علي أن رحيلها هي وزوجها وأسرتها وبعض المقرّبين منهم إلى السعودية كان بمثابة عملية مدبّرة. وأن الرئيس التونسي السابق كان يتصوّر أنه سيستطيع إنابة رئيس وزارته محمد الغنوشي لتسيير أمور البلاد إلى حين عودته. ولكن كان هناك رجال ملثمون قد اقتادوا، بعد إقلاع طائرته عند الخامسة والنصف مساء، الغنوشي وأعضاء حكومته قسراً إلى قصر قرطاج مع بقية رموز الدولة التونسية، للإعلان عن بداية عهد جديد.
.
.
هروبه المفاجئ أشعل فتيل الربيع العربي
زين العابدين بن علي فتح أبواب الجحيم على الحكام العرب
ماذا لو لم يهرب زين العابدين بن علي؟ ماذا لو بقي في تونس وأخمد ثورة الاحتجاجات التي لم تكن أصلا تطالب برأسه بقدر ما كانت تطالب بإصلاحات سياسية في البلاد؟ لو حدث ذلك، هل كنا سنشهد ثورة في مصر وأخرى في اليمن وأخرى في ليبيا وأخرى في سوريا وحراك في المغرب والبحرين وفي الأردن والعراق؟
الأكيد أن هروب زين العابدين بن علي هو الذي أشعل فتيل الربيع العربي، لأنه وقع شهادة نجاح الثورة التونسية وكسر تلك القاعدة التي لم يكن يجادل فيها أحد، وهي أن الأنظمة العربية قضاء وقدر ولن تتغير مهما حصل، بل إن الشعوب تتغير والحكام في أماكنهم لا يزحزحهم من مناصبهم إلا قابض الأرواح.
لقد فتح الهروب المفاجئ للرئيس التونسي السابق الجحيم على كل الحكام العرب، حيث اشتعل الشارع العربي فور نجاح الثورة التونسية، فثار الشعب المصري على الرئيس المخلوع حسني مبارك الذي عمر في الرئاسة، لدرجة أن الذي ولد عندما استلم مبارك الحكم لا يعرف رئيسا غير مبارك حتى بلغ العقد الرابع من عمره.
ولأن الشعب المصري أدرك أن النظام يمكن تغييره، كانت الثورة المصرية أكثر إبداعا وتنظيما وإلهاما، وصنع المصريون صورا فريدة للثورة السلمية وألهموا غيرهم من الشعوب، خاصة الشعب اليمني الذي ملأ الميادين والساحات العامة وأصر على أن تكون ثورته سلمية رغم أن الشعب اليمني كله مسلح.
وتتابعت الثورات بعد ذلك في ليبيا وسوريا والبحرين والمغرب، وتفاوتت قوتها وانتشارها، ففيما سارع ملك المغرب إلى احتوائها عبر إصلاحات غير مسبوقة واجه كل من النظام الليبي السابق والنظام السوري الثورات بالعنف فتحولت هذه الأخيرة إلى ثورات مسلحة مدعومة من قبل الغرب كانت نتيجتها المنطقية تدمير البلدين وانتهى القذافي مقتولا بطريقة مهينة، فيما يتوقع العديد نهاية لا تقل فظاعة للرئيس السوري بشار الأسد الذي ورط بلده في حرب طائفية قد لا تنطفئ قبل عقود.
.
.
ليلى الطرابلسي تكشف في “حقيقتي”..
هكذا فقدت والدتي وشقيقي ومعهما “كرسي الحكم”… في أسبوع واحد!
“نعيمة” الزوجة الأولى لبن علي تخاطب ليلى: “أنت سبب جميع مشاكلي وهمومي”!
من يصدّق ليلى الطرابلسي، المرأة القوية والمتسلطة، التي لم تعشق في حياتها شيئا بقدر ما عشقت الكرسي، وهي تقول في كتابها الأخير أنها نصحت زوجها، الرئيس التونسي السابق زين العابدين بن علي بالتخلي عن السلطة، وأردفت بالقول: دعها لغيرك، واتركنا نعيش أيامنا الباقية مثل كل البشر، رفقة أولادنا؟!
هذه ليست جملة ليلى الطرابلسي ولا طريقة تفكيرها، الأمر لا يحتاج إلى شهادة مقرّب أو صديق ليقول ذلك، بل ان جميع من تابع مسيرة وقصّة صعود هذه المرأة من مجرد فتاة قادمة من أحد أكثر الأحياء الشعبية الفقيرة في تونس إلى قصر قرطاج لتكون سيدته الأولى وحاكمته الفعلية حتى 14 جانفي 2011، سيدرك تماما أن زين العابدين لم يكن ليهرب دون أن يترك ألما ووجعا خاصا داخل المرأة التي اعتقدت أنه يمكن للتاريخ أن يذكرها باعتبارها أول سيّدة تحكم بلدا عربيا اسلاميا!
فاشلة في الدراسة تتحول إلى امبراطورة!
ليلى الطرابلسي، من مواليد 24 أكتوبر 1956 في مدينة تونس. أسرتها تتألف من خمس بنات وخمسة فتيان. تعترف في كتابها الأخير أنها تقدمت ثلاث مرات للحصول على الشهادة الثانوية -البكالوريا- لكنها فشلت. وهي تدحض جميع ما قيل عن حصولها على شهادات جامعية وأطروحات دكتوراه “محاباة لها”. وتؤكد: “لم أحصل أبدا على الشهادة الثانوية، ولا أحمل شهادة جامعية ولا دكتوراه، ولم يرني إنسان وأنا أبرز مثل هذه الشهادات”.. المثير للانتباه أن زين العابدين بن علي لم يكن الرجل الأول في حياة ليلى، فهي تؤكد أنها تزوجت مرة أولى عندما كانت شابة بالغة ومن شاب كان يقطن مقابل مدرسة “مونفلوري” الثانوية، وكانت ترقبه كل يوم وهو يخرج ويدخل إلى بيته، ثم “تزوجته بعد عامين” وعمرها 22 سنة، لكنها لم تنجب أطفالا، وانتهى الأمر بالفراق والطلاق.
تروي ليلى بن علي كيف أوقفتها سيارة شرطة عام 1984 بسبب قيادتها سيارتها بسرعة. وكان ذلك لقاؤها الأول مع زين العابدين بن علي. وحصل “المكتوب”، كما تقول بعد ذلك اللقاء الذي كان يشغل بن علي أثناءه منصب المدير العام للأمن الوطني. والتقيا مرة أخرى بعد أشهر من جديد قدمته بعد ذلك لأسرتها، وتزوجا لتصبح “السيدة بن علي”. وبعد 7 نوفمبر 1987 أصبحت “السيدة الأولى” بعد أن خلف زوجها الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة..
نعيمة.. الزوجة الأولى وقصة الحرب السرية!
في الفترة الأولى، اختار بن علي وليلى الطرابلسي مقر إقامتهما الرئاسية في الجناح المعروف باسم “دار السلام” في قصر قرطاج، بينما احتفظت الزوجة الأولى “نعيمة” وأم أولاده “غزوة، درصاف وسيرين” بالقسم الرئيسي من القصر. استمرّ ذلك الوضع لعدّة سنوات، لكن دون أن تلتقي ليلى بن علي، كما تشير، بتلك الزوجة التي كانت تعتبر أنها أخذت مكانها ولم تسامحها على ذلك أبدا.
وتنقل ليلى بن علي أنه بعد وصولهم إلى السعودية سرت شائعة مفادها أن بن علي يعاني من “موت سريري”. فاتصلت عندها زوجته الأولى “نعيمة” للاطمئنان ومعرفة حقيقة الأمر. ليلى هي التي أجابت على الهاتف، وحاولت أن تتحدث معها بلهجة التصالح، مؤكّدة أن الأمر لا يتعدّى مجرّد شائعة، لكن عندما عرفت الزوجة الأولى صوتها بادرتها بالقول: “هذا أنتِ ليلى الطرابلسي، سبب جميع آلامي”. فهمت ليلى، كما تقول، أنها لن تغفر لها أبدا، وسوف تكرهها حتى آخر دقيقة في حياتها.
قبل الهروب!
تحاول ليلى الطرابلسي في كتابها واعترافاتها أن تستعطف القراء والجمهور العادي، وحتى من أفراد الشعب التونسي من خلال سرد مجموعة من القصص والمآسي التي تعرضت لها عائلتها، وذلك تحت عنوان “عائلة تعيش الرعب“..
“تتعرض عائلتي وعائلة زوجي، لجملة من المتاعب والاعتقالات، حيث يوجد في السجن العسكري لـ”العوينة” قسم مخصص لأسرتي “بن علي” و”الطرابلسي”، ناهيك عن المحاكمات الصورية وعمليات التشهير الإعلامية، ألا يكفي ما تعرضت له وعائلتي قبل الانقلاب المبرمج يوم 14 جانفي؟!
تقول ليلى: “لقد توفيت والدتي قبل أسبوع من رحيلي إلى السعودية، وأخي عادل صرعه مرض عضال بعد 17 يوما من رحيلي، وتوفي أحد أخوة زوجي في الفترة نفسها بالمرض نفسه، وأيضا صديقتي منذ الطفولة سميرة“!
لم أحاول الانتحار في السعودية وابني يحلم بالعودة إلى تونس
تقول ليلى بن علي أنها حيث هي الآن تمضي وقتها في العناية بزوجها وأطفالها. الإبن الأصغر محمد، الذي لم يتفوّه بكلمة واحدة يوم رحيلهم من تونس، حيث كان يسجّل بصمت كل ما يجري حوله، بدأ منذ اليوم التالي بالرسم ولايزال مستمرا في ذلك، ويحلم بالعودة إلى تونس. والابنة الشابة حليمة تعيش وحيدة بعيدة عن وسطها وأصحابها، وخاصة عن خطيبها الذي يتعرّض للمضايقات في تونس.
أمّا بالنسبة لحياتها، فتؤكّد ليلى أنها لا تخرج إلاّ نادرا ولا تختلط بأحد وتؤدي صلواتها بانتظام. ولا تنسى أن تطمئن الأصدقاء والوشاة بهم على أنه لا صحّة للشائعات الكثيرة التي تنطلق عن انفصالها عن زوجها، وأنها تعاني من انهيار عصبي ولديها ميول للانتحار. وترى أن حظّها كبير بأن تكون برفقة زوجها وأطفالها في السعودية التي جنبّتهم ما كان يمكن أن يكون الأسوأ.
.
.
صادرته عقب الإطاحة به
السعودية ترفض إعادة يخت فاخر للرئيس زين العابدين بن علي
مازالت السعودية ترفض تسليم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي بن علي الهارب من العدالة التونسية على أراضيها أو التحقيق في ممتلكاته في السعودية من أجل إعادة حقوق الشعب التونسي المنهوبة من قبله ومن طرف أسرته رغم المطالبات المتكررة من الحكومة التونسية للحكومة السعودية بذلك.
وجددت المحاكم الشرعية في السعودية أمس رفضها كل ما يتعلق بتسليم “زين الهاربين” كما يحلو للتونسيين مناداته بعد أحداث ثورة الياسمين التي أطاحت به وبنظامه الفاسد، حيث عارضت ورفض أمر محكمة إيطالية صدر نهاية الأسبوع الماضي يقضي بإعادة يخت فاخر، يخص الرئيس التونسي المخلوع زين العابدين بن علي، إلى تونس، بعد ما تمت مصادرته في ايطاليا عقب الإطاحة به.
وذكرت المحكمة الواقعة في العاصمة الايطالية روما في بيان صادر عنها حول موضوع “اليخت”، ان بن علي يملك مبلغا ماليا كبيرا مودعا في حساب بنكي إيطالي، سيتم إرساله إلى تونس في أقرب وقت، فيما لم يذكر البيان تفاصيل اخرى عن حجم الأموال.
وأشارت المحكمة أن السلطات التونسية طلبت من إيطاليا احتجاز اليخت وأصول أخرى بعد سقوط ابن علي، وطلبت بعد ذلك إعادة الممتلكات، وهو ما وافقت عليه المحكمة.
وكانت تونس في الـ22 ديسمبر قد باشرت مزادا علنيا لمدة شهر لبيع أصول لابن علي وأقاربه بهدف جمع أموال لخزانة الدولة، وتشمل هذه الأصول عشرات السيارات الفاخرة والرياضية، كان يملكها الرئيس السابق وزوجته ليلى الطرابلسي.
.
.
بن علي هرب.. هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية
عبارات عفوية تحوّلت إلى شعار لثورات الربيع العربي
كلمات ليست كالكلمات، نطق بها تونسيون، التقطتها المعمورة فصارت ترددها بلا كلل ولا ممل، إحداها”هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية”، وأخرى بلغت للعالم ما لم يكن في الحسبان، المتسلط والمتجبر زين العابدين بن علي فرا هاربا، صاحبها قالها بلكنة تونسية خالصة “بن علي هرب”، وآخر جهر برفضه لحكم بن علي في أوج قوته. إنهم ثلاثة من “مشاهير” الثورة التونسية، سألتهم “الشروق” في الذكرى الثانية لها، عن أوضاع تونس فأجابوا دون تحفظ”الحالة ماتشكرش”، فأسباب الثورة لا تزال قائمة….
.
المعارض والكاتب الصحفي توفيق بن بريك لـ”الشروق”:
“يحكمنا ثعبان من ثلاثة رؤوس…يحركهم آية الله الغنوشي”
“هي ثورة للحلفاء ولا تمت للياسمين بصلة”
كيف تُقيّم مسار الثورة التونسية التي اصطلح على تسميتها ثورة الياسمين؟
أنا لا أوافق على تسمية ثورة الياسمين، فما حدث لا يمت للياسمين بصلة بل هي نبات الحلفاء، أقول هذا الكلام من منطلق أن الأسباب التي ثار عليها الشعب لا تزال قائمة، بل تفاقمت هنالك فقر وحڤرة، إذن فأسباب الثورة قائمة حاليا كما قلت أنفا.
غمدن مثل بن قردان مشتعلة، قفصة القصرين الكاف المتاخمة للجزائر مشتعلة اعتصامات وقطع للطرقات، هنالك إضرابات جهوية وأخرى وطنية، أنا أشهد إحداها بمدينة الكاف القريبة من الحدود الجزائرية-الحوار أجري عشية الأربعاء- دون أن ننسى الاضطرابات في بن قردان، قفصة، القصرين وكل هذه المدن يتم قطع الطرق فيها على المواطنين الغلابى.
من المتسبب في هذا الجو المتوتر؟
السبب هي الحكومة والتي أصفها بطائفة النهضة، فالحزب الحاكم تحوّل إلى محاكم التفتيش التي تريد تغيير طريقة الأكل والنوم، لقد عادت محاكم التفتيش بوجه مشوّه، التصرفات التي تقوم بها هذه الطائفة الحاكمة أرجعت الشعب يصارع مشاكل يومية لا بداية ولا نهاية لها، لقد تحوّل الشعب التونسي إلى شعب حقير منبوذ.
لقد تحوّلت حياة التونسيين إلى مسار آخر، فإن كانوا قد ألفوا في عهد المخلوع بن علي المداهمات الفردية، فهي اليوم تتم بطريقة جماعية واستعمال السلاح صار مباحا في المظاهرات وكأننا أمام حيوانات وليس مواطنين، التسلط أصبح خبزا يوميا لهم.
ما الذي يجعل التونسي صابرا على هذا الوضع؟
التونسيون ليسوا صابرين، كل هذا الإحتقان الشعبي الغير المسبوق الذي يعيشه التونسيون مآله الإنفجار، ولكن لم يحدث بسبب الجهود التي يقوم بها الاتحاد التونسي للشغل الذي يتصدى في كل مرة إلى هذا الثعبان ذو الرؤوس الثلاثة، الذي سيطر على كل مانحي الحياة في كل “دشرة ودوار” يتصدى الاتحاد التونسي للشغل لهذه الطائفة التي تحكم والتي لا تمثل أي شيء حداثي.
هم يريدون الرجوع بنا إلى العهود الخالية بقيادة “أية الله الشيخ الغنوشي”، وهذا الأمر ليس سرا فقد أعلنوه في أول اجتماع عقدوه في مدينة سوسة، كما بدأوا في تطبيق ذلك النهج من خلال حراس الثورة وجمعيات الأئمة والنهي عن المنكر.
قدمت صورة سوداوية، هل هذا يعني أن التونسيين ندموا على ما قاموا به قبل سنتين؟
ليسوا نادمين أبدا على طرد بن علي، لكن الشعب التونسي تم تغليطه بطائفة النهضة، واليوم أيقن أن هنالك عصبة حاكمة اسمها النهضة.
كنت معارضا في وقت بن علي فكيف أنت الأن؟
توفيق بن بريك “سيبقى ضد السلطة ولو كان حاكمها مالكا”، مثلا كنت معارضا أثناء بن علي، سأبقى معارضا لهذه العصبة.
.
.
أحمد الحنفاوي صاحب العابرة المدوية “هرمنا من أجل هذه اللحظة” لـ”الشروق”
“للأسف لم يتحقق شيئ بعد الثورة”
ما الذي تحقق بعد سنتين من الثورة التونسية؟
ليست هنالك إنجازات بعد الثورة، بل هنالك تدهور اقتصادي غير مسبوق، ما يمكن تسميته بالإنجازات هي الحريات التي اكتسبها الشعب دون أن نغفل حرية التعبير.
هل الحكومة المسؤولة الوحيدة عما يحدث؟
الحكومة ليست المسؤولة وحدها عن الأوضاع المتأزمة في تونس، أي حكومة لم يكن لها أن تلبي رغبات المجتمع، التنمية التي ينشدها التونسي يلزمها وقت كاف، ولا تأتي بصفة جذرية آنية، الحكومة حافظت على السلم الاجتماعي من الإنهيار ولهذا أظن أنها ليست هي السبب في تدهور الاقتصاد الذي تمر به تونس.
تبدو متشائما هل من أمل في تحسن الأوضاع؟
الأمل هو وجدان الحياة في كل مؤمن، فرغم الضيق والظروف الصعبة التي نعيشها إلا أننا حققنا مكسبا عظيما هو الحريات فلا تفريط فيها.
نأمل من الشقيقة الجزائر الغنية بمواردها وكرم ساستها وشعبها مد يد العون لإخوانهم وأشقائهم التونسيين.
بن علي لا يزال حرا طليقا في السعودية، هل هو غسة في حلقكم؟
بالتأكيد، أمر مؤلم لكل التوانسة أن يجدوا المخلوع لا يزال حرا طليقا هو وأصهاره في عدد من دول العالم دون أن يسترد الشعب التونسي الأموال التي نهبوها منه طيلة 23 سنة، زيادة على عدم القصاص منهم، ويحزننا أن ترفض السعودية تسليمنا الطاغية.
هل تلوم الحكومة؟
أعتقد أنه في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة، تعمل الحكومة على تحقيق موازنة بين مرتكبي الجرائم الموجودين في الخارج والدعم الاقتصادي، معلوم أن السعودية قد تلقت طلبا من الحكومة التونسية، لكنها رفضت ونتيجة لذلك أصبحت علاقتنا بهم فاترة.
لكن الأمر اللافت أن رئيس الحكومة حمادي الجبالي وفي زيارة له للعربية السعودية لم يطرح الموضوع بطريقة جدية، وهو ما اعتبر تقصيرا منهم، وهذا التقصير تتحمله حكومة باجي قايد السبسي كذلك، ربما الكل يريد إقامة علاقة قريبة من السعودية، لكن الشعب التونسي يرفض إقامة مثل هذا النوع من العلاقات.
“هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية” صارت علامة مسجلة باسمك، كيف نطقت بها؟
ما قلته في تلك اللحظة كان بطريقة عفوية وتلقائية، لم تكن محضرة أو فكرت فيها من قبل، أما عن سببها، فأقول إنه الكبت والضيق وسلب الحريات الفردية، الكلمات كذلك خرجت نتيجة للتدهور الاقتصادي الذي نعيشه ليس اليوم فقط بل أثناء حكم بورقيبة ومن بعده المخلوع بن علي.
.
.
المحامي ناصر العويني صاحب صرخة “بن علي هرب” لـ”الشروق”
“الثلاثي الحاكم يتعامل مع السلطة كغنيمة ليس كمسؤولية”
لقد ذهبت الكثير من معالم الثورة التي قام بها التونسيون قبل سنتين، والتي أرادوا تحقيقها، الأن لا شيء صار خفيا، صرنا نعيش مرحلة غريبة يميزها الكثير من الكلام والقليل من الممارسات الإيجابية.
ما يميز تونس الأن أن ظاهرة الفساد متواصلة ولا إرادة سياسية لتغيير جذري، محاسبة الفساد والمفسدين غير موجودة، المحاسبة تتم بطريقة انتقائية لم تؤد دروها لتخليص المجتمع من الفاسدين.
في تونس كذلك هنالك غياب للإرادة السياسية، هنالك توظيف للسلطة عن طريق المحاصصة، وليس على أساس خطة عمل، فقد تحوّلت السلطة إلى هدف، الثلاثي الرئيس، المجلس التأسيسي والحكومة، كلهم يتعاملون مع السلطة على أساس أنها غنيمة يجب الانتفاع منها، فكل منهم ينتفع بما حظي به في القمة بطريقته و بالحصة التي آلت إليه.
ما يميز تونس بعد الثورة زيادة للهوة وعدم وجود رسالة طمأنة، بسبب أن النخبة الحاكمة في واد والجماهير في واد آخر، يجب على الحكام نزع بؤر الشك وبعث الأمل والحل لغد أفضل، بعدما صار الشعب من درك إلى درك أسفل.
من يتولى مسؤولية الإخفاق؟
المسؤولية تتحملها كل الهيئات الحاكمة، وبالخصوص المجلس التأسيسي فهو هيئة رقابية ولكن يظهر أنه مستقيل من مهامه.
ألا تحمّلون الحكومة أكثر من قوّتها؟
الحكومة غير مطالبة بالإنجاز وتحقيق كافة متطلبات المواطن، لكنها مطالبة بطمأنة وبناء جسر ثقة حتى يستطيع المواطن الصبر، وهذا ليس موجود، لا يوجد أي عاقل ينتظر نتائج من سلطة عمرها سنة وشهرين.
هل تتوقع نتيجة للوضع المتردي ثورة أخرى؟
جائز جدا، نحن نعيش مرحلة غليان، حتى الخوف الذي كان مسيطرا على التونسيين في حكم المخلوع بن علي، زال دون رجعة، زيادة على انهيار الجهاز الأمني وانفتاح المجتمع على المعلومة.
المواطن الأن صار مطلعا أن الحاكم غير مبال بمهامه أو الاهتمام بحل مشاكلهم، وهو ما يدفع بالمواطن للاحتجاج الذي يمكن أن يتطور إلى ثورة.
عايشت الثورة وأبلغت تونس والعالم أن”بن علي هرب”، ما هي أهم مشاهد الثورة العالقة؟
تضامن الشعب التونسي بعد انهيار المنظومة الأمنية، المواطنون تكفلوا باحتياجاتهم بأنفسهم دون العودة إلى السلطة المركزية في مجال الأمن والمؤونة والنظافة طيلة شهرين كاملين.
حين تعطلت أجهزة الدولة وفقدت عقلها، كان التضامن والروح الوطنية لعموم الشعب التونسي كفيلا لتمرير تونس إلى بر الأمان.