-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الثروة المنسية

بشير مصيطفى
  • 5032
  • 0
الثروة المنسية

قامت الحكومة مؤخرا بإعلان تخفيض محسوس في أسعار أغذية الماشية في محاولة منها للحد من ارتفاع أسعار اللحوم الحمراء وتقليص المضاربة في سوق المواشي.

  • ومعلوم أن موجة جديدة من ارتفاع الأسعار مست اللحوم بأنواعها وجعلت من أضحية العيد سلعة صعبة المنال لدى كثير من المستهلكين في السوق الجزائرية. فهل تجدي تدابير الحكومة فيما يتعلق بأسعار تغذية المواشي نفعا؟ وما المطلوب عمله حتى تتحول الثروة الحيوانية للجزائر من عبءٍ على المستهلك الى مادة في متناول الجميع؟
  •  
  • الأثر المحايد للدعم الحكومي
  •  
  • عندما تقوم الحكومة بدعم أسعار المواد الأولية ومستلزمات الإنتاج دون أن تستجيب الأسعار لذلك فمعناه أن السوق لم تعد تعتمد على المادة الجاري تدعيمها بدرجة عالية وكافية أو أن السوق بات محتكرا من طرف متدخلين أقوياء بحيث يجري التحكم في الأسعار بشكل احتكاري وليس بصورة تنافسية، وربما كان تدخل الحكومة متأخرا وكان يجب أن يكون ذلك استباقيا ومبكرا. وبالفعل تتحكم في أسعار الماشية بالجزائر العوامل الطبيعية بشكل مباشر وقوي وسرعان ما تحد ظروف نزول المطر في أماكن تركز الثروة الحيوانية التي تعتمد على الكلأ، تحد من أوامر البيع في حركة أشبه بعمليات سوق الأوراق المالية المعروفة  (البورصة)، ويتحول معها دعم الحكومة لغذاء المواشي إلى تخزين حقيقي يدخر إلى ظروف الجفاف المحتملة. وهكذا تفقد مثل هذه الإجراءات مفعولها في الحد من ارتفاع الأسعار بل تصبح عبئا جديدا على الخزينة العمومية. وتشكل الأغنام في بلادنا ثروة تقارب 30 مليون رأس تتركز في منطقة واحدة هي الولايات السهبية وكان في إمكان الحكومة مضاعفة هذا الرقم وتوسيع رقعة تربية المواشي خارج المناطق السهبية باعتماد سياسة إنتاج غذاء المواشي محليا بدل الاستيراد ومرافقة الموال عبر الطرق الحديثة في تنمية الثروة الحيوانية.
  •  
  • الإنصات إلى الموال
  •  
  • تشكل تربية المواشي لدى أصحابها ثقافة حقيقية ويمارس الموال حرفته مثلما يمارس أهل الصناعة الصناعة وتتصرف العائلات المندمجة في سوق الماشية برشادة كبيرة قد تعجز الادارة على فهمها، فضلا  عن  التأثير فيها، ومع ذلك لا يملك الموال الجزائري إطارا منظما يسمح له بممارسة الاقتراح على مستوى رسمي أو حتى جمعوي ولاتزال تربية المواشي حرفة تتقاذفها عوامل الطبيعة من جهة والتدخل الإجرائي للحكومة من جهة ثانية. والذين احتكوا بعالم الثروة الحيوانية في الدول المتطورة يعرفون أن الدعم الناجع للمربين يتعدى عوامل الإنتاج المباشرة كالأعلاف والخدمات الطبية الى المحيط الاقتصادي بإدماج تربية المواشي في السياسة العامة للدولة كما هي الزراعة والصيد البحري. وفي هذا الاتجاه يكون من المجدي تهيئة مساحات الرعي وتمكين مجتمع الموالين من إنتاج الأعلاف على أساس الاكتفاء وتقليص الاعتماد على السقي. كما يشكل الاستقرار لدى شريحة الموالين عبر مساحات الرعي عاملا مهما في تحويل تربية المواشي من حرفة للكسب إلى استثمار في الثروة والتوسع في رأس المال ليس لفائدة السوق الوطنية فحسب بل وللسوق الخارجية أيضا.
  • لمجتمع الموالين انشغالات قد لا نكتشفها بسهولة لأنها لا تجد القنوات المناسبة للإفصاح عنها وهناك في عالم تربية الماشية أطراف عدة قد يشكل المالك طرفا واحدا منها، إلى جانب أطراف مهمة مثل الرعاة الذين يشكلون وحدهم مجتمعا قائما بذاته. حرفة في طريق الاندثار ومعها يندثر قسم مهم من القوة الكامنة في عالم الثروة الحيوانية.
  •   
  • الترقية في عالم الثروة الحيوانية
  •  
  • لماذا يظل راعي الغنم راعيا ولماذا يبقى سوق الماشية فريسة احتكار منظم؟ ألا يمكن تحرير السوق بانضمام متعاملين جدد وإيجاد آليات تمويل جديدة لفائدة هؤلاء؟
  • الجواب على هذه الأسئلة يتوقف على طبيعة المستفيدين من الوضع الحالي ـ إن وجدوا ـ وعلى حجم المنافع التي يجنيها هؤلاء من اتجاهات سوق شرهة للطلب على اللحوم الحمراء وتتحكم فيها التجارة والأرباح الكبيرة.
  • صحيح أن الحرفة في حد ذاتها ذات عامل مخاطرة كبير في ظروف الاعتماد على العوامل الطبيعية أكثر من العوامل الأخرى، مما يقلل من الاستثمار المحلي لصالح الاستيراد، ولكن عوامل كثيرة تجعلنا نقتنع بضرورة دعم القطاع ليس على سلم الأمن الغذائي فحسب، بل من أجل التأثير إيجابا على تكاليف النشاط. وربما لاتزال آليات التأمين فيما له صلة بحماية الموال من المخاطر في حاجة الى رؤية جديدة تسمح له بتحرير القطاع من تدابير الحذر المبالغ فيها مثل التخلص سريعا من الكميات المنتجة بمجرد ظهور ملامح الجفاف أو الانسحاب من سوق التداول بمجرد أن يتوفر الكلأ؛ سلوك لا يخدم تحرير القطاع لأنه مبني على الخوف والترقب بدل الضمان والاستقرار.
  • إن ترقية الثروة الحيوانية في بلد لا حدود لامتداده ويحاصره التحول من كل مكان، تحتاج لسياسة وطنية تبدأ من الإنصات الى أصحاب القطاع وتتمدد في ترقية محيطهم الطبيعي وضمان أمنهم على سلم التنمية المستدامة والاستقرار.
أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!