-- -- -- / -- -- --
إدارة الموقع

الثورة التحريرية في موسم الحج لعام 1957/1376هـ

بقلم: الأستاذ فوزي مصمودي
  • 825
  • 0
الثورة التحريرية في موسم الحج لعام 1957/1376هـ

انطلاقًا من محتوى بيان أول نوفمبر 1954، الذي أكّد محرّروه على مواصلة “الكفاح بجميع الوسائل، حتى تحقيق هدفنا”، فقد عمل قادة الثورة التحريرية على توظيف جميع الإمكانات المتاحة واستغلال كافة الوسائل المتوفرة من أجل طرد الغزاة واسترجاع السيادة الوطنية، وإيصال صوت الجزائر والتأكيد على عدالة قضيتها وشرعية ثورتها المسلحة، وفضحِ أكاذيب الساسة الفرنسيين ودحضِ مزاعم جيشهم الغازي وكشف جرائمه ضد الإنسانية وحرب الإبادة التي كان يمارسها بالجزائر، ليس إبّان الثورة فحسب، بل طيلة 132 سنة من القهر والظلم والاستعباد والتقتيل والتعذيب والتهجير والتجهيل والفَرْنَسَة والتنصير والتفقير..
ونظرًا إلى ما يكتسيه موسم الحج إلى بيت الله الحرام من دلالة روحية ورمزية دينية، لدى جميع المسلمين في أصقاع العالم، فقد اجتهد قادة الثورة على استغلال هذا الموعد السنوي لتبليغ رسالة الشعب الجزائري وإسماع آهاته وآلامه في هذا المكان الطاهر.. من خلال الندوات التي كانت تُنظم بمكة المكرمة والمدينة المنورة.. وفي مختلف الجلسات واللقاءات، مع زعماء العالم الإسلامي وأعيان بلدانه، لاسيما قادة الرأي منهم.. وغيرهم، وهذه المهمة لم تقع على عاتق أفراد البعثة فحسب، بل شملت كل الجزائريين الذين كَتَب الله لهم أداء مناسك الحج في الفترة الممتدة من 1954 و1962؛ الذين كانوا في مستوى متطلبات المرحلة من خلال المسامرات واللقاءات والأحاديث الشفهية..

كُتيّب للتعريف بالثورة وتوزيعه مجانًا على الحجيج
لم تكتف البعثة الجزائرية بالمشرق العربي وممثلوها بالمملكة العربية السعودية بهذه اللقاءات والنشاطات فقط، بل بادرت بإنجاز كتيبات ونشريات تبرز تاريخ الجزائر وما تتعرض له من دمار ومجازر يرتكبها الجيش الفرنسي وتوزيعها على الحجيج، ومن ذلك إصدارها كُتيّبا حمل عنوان “من الجزائر المجاهدة إلى حُجّاج بيت الله الحرام”، الذي قامت بإنجازه وطباعته باسم جبهة التحرير الوطني، وتوزيعه مجانًا على الحُجّاج خلال موسم حجّ 1376 هـ الموافق 1957.
كُتيب مهم ونادر جدا لم يتطرق إليه بَتَاتًا مؤرّخو الثورة التحريرية، نقدّمه لقراء الجريدة ولأول مرة. ورغم صغر حجمه، إذ احتوى فقط على (24 صفحة)، إلا أن الذين أشرفوا على إعداده استطاعوا حوصلة الواقع الأليم، الذي كان يعيشه شعبنا في تلك الحقبة المظلمة. وقد أهدانا نسخة منه الصديق الباحث الأستاذ سعد بن البشير العمامرة بوادي سوف.
استُهلّ الكُتيّب بمقدمة افتتحت بالآية الكريمة: “يا أيّها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبّت أقدامكم”، وبالحديث النبوي الشريف: “من أصبح ولم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم”. ومما جاء في تلك المقدمة: “لبيك اللهم لبيك.. أيّها المسلم الصادق.. إن إخوانك المجاهدين الجزائريين، يقفون في ميدان الجهاد الجزائري مثل موقفك اليوم، ينادون لبيك اللهم لبيك ويبيعون الأرواح رخيصة في سبيل الله وفي سبيل تلك الأرض الإسلامية الطاهرة الزكية: يموتون فيستبشرون بلقاء الله، ويُعذَّبون فيستعذبون العذاب في سبيل الله وتُخرّب ديارهم وتنتهك حرماتهم. مثلهم كمثل كبش إبراهيم عليه السّلام، يفدي عقيدة الإسلام وأرض الإسلام ومستقبل الإسلام في القطر الجزائري الإسلامي”. إلا أنّ هذه الممارسات اللاإنسانية الفرنسية لم تزدهم إلا إيمانًا وثباتًا وصبرا وإقدامًا على التضحية والفداء والإيثار.
وعن شراسة الجيش الفرنسي والأسلحة الفتاكة التي كان يستخدمها ضد الأبرياء، والمجازر المروّعة والعمليات الإرهابية التي يرتكبها.. فقد جاء في ذات المقدمة أن المجاهدين الجزائريين “يقابلون أعظم جيش أوربي عرفته إفريقيا وآسيا. وإنهم يقاومون أكثر الأسلحة فتكًا وأشدّها تدميرًا. إن حربهم القاسية العنيفة تدوم منذ قرابة ألف يوم وألف ليلة، فما أشرقت شمس يوم إلا على مئات من الضحايا، وما غربت شمس يوم إلا على آكام من الخراب، ومجموعة رهيبة من أعمال التنكيل والإرهاب. فما وَهَنوا لِمَا أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحبّ الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا، وثبّت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين”.
وتخاطب البعثة الجزائرية في المشرق كافة المسلمين والحجاج في ذلك العام (1957)، راجية منهم الدعاء والذكر ومدّ يد العون للشعب الجزائري، حتى يحقق نصره على الأعداء: “فيا أيها المسلم، الواقف بين يدي الله حول البيت الحرام: تذكّر أخاك المسلم الجزائري الواقف بين يدي الله في ميدان الجهاد الأكبر ينادي: لبيك اللهم لبيك، كما تنادي أنت الآن: لبيك اللهم لبيك؛ ويتقرّب إلى الله بدمه وبروحه، كما تتقرب أنت إلى الله بتعبك ونَصَبك في هذا الحج المبارك، اذكره يا أخي كلما ذكرت الله فهو يجاهد في سبيل الله، واذكره يا أخي كلما قمت بشعيرة من شعائر الإسلام، فإنما هو يموت من أجل شعائر الإسلام، واذكره يا أخي قائمًا وقاعدًا وعلى جنبك، فإنه يجاهد قائمًا وقاعدًا وعلى جنبه، وهو يستمد النصر من الله وينتظر العون والنجدة من إخوانه المسلمين”.

ما هو القطر الجزائري أيّها الحاج؟
احتوى الكتيب معلومات وافية ودقيقة جدا حول الوطن الجزائري؛ من حيث مظاهر سطحه وتضاريسه الطبيعية المتعدّدة والمتنوّعة لشساعة مساحته، “ذات الثروة الطائلة والمركز الممتاز، هي التي يريد الفرنسيون أن يمحقوا فيها كل أثر للعروبة والإسلام، وأن يجعلوها ملحقة بفرنسا إلى الأبد. ويريد المجاهدون الجزائريون الأحرار إعادتها سيرتها الأولى، حرة عربية مسلمة، تجمع الشمل الإسلامي، وتحرّر بقية العالم العربي”، واصفة هذا القطر بأنه: “واسطة عقد المغرب العربي”، انطلاقا من موقعه الاستراتيجي ومقدّراته الضخمة.
كما تمّت الإشارة إلى أصل الشعب الجزائري صاحب الأرض، الذي بلغ عدد سكانه آنذاك عشرة ملايين نسمة، بينما المستوطنون الفرنسيون ومن وَالاَهم من الإيطاليين والإسبان.. فلم يتعدّ عددهم نحو مليون نسمة فقط! بمن فيهم اليهود حاملو الجنسية الفرنسية، بناءً على قانون كريميو عام 1870، الذين ناهز عددهم آنذاك مائتي ألف نسمة.

مكانة الجزائر في التاريخ
عاد محرّرو هذا الكتيب إلى تاريخ الجزائر الموغل في القدم، والحضارات المتعاقبة عليها، والدول التي تأسست بها بدءًا بدول نوميديا وموريتانيا. وقد أثنوا على الملوك الأمازيغ الذين قاموا ببعثها، حيث “قام بالأمر فيها ملوك عظماء من سلالة بني مازيغ” ــ بحسب تعبير صاحب هذا النص التاريخي ــ وما تخلل هذه الفترة من مقاومات شعبية، امتدت لعدة قرون ضد الاحتلال الروماني والرومي (البيزنطي)، دون الإشارة إلى الاحتلال الوندالي الذي كان بين الاحتلالين السابقيْن.. وصولا إلى بزوغ فجر الفتوحات الإسلامية، التي وصفها المحرر بـ: “ثم جاء أمر الله وأشرقت أنوار الإسلام ساطعة، فرفع الشعب الجزائري لواءها عاليًا وجنّد الكتائب تغزو في سبيل الله. وتشارك في أيام الإسلام الخالدة”، من خلال إسهام الجزائريين في نشر الإسلام خارج الجزائر، خاصة بجنوب غرب أوربا وبالساحل الإفريقي، كما هو معلوم.
كما شيّدوا دولًا إسلامية بالمغرب الأوسط (الجزائر)، على غرار الدولة: الرستمية والحمادية والزيانية على التوالي، إلى غاية مجيء الأتراك العثمانيين،الذين كانوا “يشدّون أزر المسلمين الجزائريين ويعينونهم على ردّ العدوان الإسباني بعد انهيار دولة الأندلس، فأسّس الشعب الجزائري حكومة مستقلة تابعة اسما للخليفة العثماني، معتمدة على جند قليل من الأتراك لا يتجاوز عدده ثلاثة آلاف رجل.. وتدير البلاد كدولة مستقلة ذات نظام محكم وسيادة معترف بها من الجميع..” إلى غاية جريمة الاحتلال الفرنسي في 05 جويلية 1830، وما انجرّ عنها من مآسٍ ومحنٍ وجرائم يندى لها الجبين، وما صاحبها من محاولة القضاء على الشخصية الوطنية بكل مقوّماتها وأبعادها.. بعد إلغاء كيان دولةٍ مستقلةٍ من منظومة الدول التي كانت قائمة في النصف الأول من القرن التاسع عشر الميلادي، مذكّرًا بأن الشعب الجزائري لم يبق مكتوف الأيدي بل قاوم الجيوش الفرنسية الغازية بشراسة ضمن مقاومات شعبية وانتفاضات مسلحة استمرت “مدة 125 سنة”ــ بحسب محرر هذا الكتيب ــ الذي يبدو لي أنه كان ضليعا في تاريخ الجزائر، عليما بدقائقه.

الاستيلاء الفرنسي على مقدّرات الشعب الجزائري
كما تناول الكتيب كيف استولى الفرنسيون على أملاك الجزائريين وأراضيهم وضِيَعهم وبساتينهم التي قُدّرت مساحتها بـ 12 مليون هكتار، وهي من أجود أنواع التربة في العالم، أما أصحابها “فقد شُرّدوا في البراري والقِفار يهيمون على وجوههم ويعيشون حياة ضنك وبطالة أفضل من الموت..”، مع عرض مفصّل للمنتجات الزراعية الجزائرية ممثلةً في القمح والشعير والزيتون وأصناف التمور والليمون والبرتقال.. إلى جانب الغابات التي تُنتج أفخر أنواع الخشب، إضافةً إلى الثروات الباطنية التي يزخر بها القطر الجزائري؛ كالمعادن والمناجم والبترول.. معتمدا على لغة الأرقام، وجميعها استولى عليها الاحتلال الفرنسي.
كما تم التطرّق إلى شؤون القضاء والأحوال الشخصية الجزائرية المنتهكة والدين الإسلامي، الذي ديست قداسته، واللغة العربية التي كانت الإدارة الفرنسية تحاربها في عقر دارها بعديد القوانين الجائرة.. كما قام بتشريح الحالة المتردّية للتعليم..

لم ثار الجزائريون؟
طرح الكتيّب سؤالا تم توجيهه إلى جميع الحُجّاج، مفاده: “لم ثار الجزائريون؟”، وفي نفس الوقت، جاءت الإجابة مسترسلة، بأن جهادهم ومقاومتهم المسلحة للمعتدين لم تبدأ مع ثورة نوفمبر 1954 بل انطلقت منذ أن دنّس الفرنسيون بلادنا الطاهرة.. أرض الصحابة والتابعين والشهداء، واحتلالهم بلادنا ذات يوم من سنة 1830، حيث نشطت المقاومات الشعبية المسلحة، تلتها حركة وطنية فاعلة، تمثّلت في الأحزاب السياسية والمنظمات والجمعيات الأهلية والنوادي الثقافية والمنابر الصحفية.. وهذا كله “من أجل إنقاذ الجزائر العربية المسلمة وتحريرها”.
وذكّر الحجاج الميامين بأن هذه الثورة المسلحة انطلقت يوم الاثنين، تزامنًا مع ذكرى المولد النبوي الشريف، مُطَمْئِنًا إياهم في ذات الوقت بأن الشعب الجزائري لبّى نداء الواجب الوطني بالالتحاق بساحات الوغى، مشيرًا إلى “أنّ جيش التحرير الوطني يتحكم بصفة عامة في أغلب البادية الجزائرية والطرق الرئيسية والفرعية، يُشكل في كل جهة إدارة محلية محكمة تدير أمور الناس، وتحكم فيهم بالعدل، وتجبي منهم الضرائب برفق، وتبثّ التعليم العربي وتخلِّقهم بالأخلاق الإسلامية وتعاليم القرآن”. كما أن هذا الجيش قد أصبح جيشًا نظاميا على غرار أحسن الجيوش العالمية، له لباسه العسكري وقيادته ورتبه وأركان حربه.. مع تنوّع أسلحته التي غنم أغلبها من الجيش المعتدي في عديد المعارك والاشتباكات والكمائن..

ما أهداف الثورة؟
أما أهداف الثورة، فقد لخصها الكتيب في أن “جيش التحرير الوطني لن يلقي السلاح، رغم الفظائع والفضائح والأهوال، إلى أن تتحقق الأهداف التي حدّدتها جبهة التحرير الوطني الجزائري ونشرتها على الناس يوم إعلان الثورة”، ويعني بها ما ورد في بيان أول نوفمبر 1954، الذي تمت طباعته وتوزيعه باللغتين العربية والفرنسية قُبيل اندلاع الثورة.

واجب المسلمين في العالم تجاه الثورة الجزائرية
ويتوجه صوب جميع الحجيج بهذا السؤال: “ما واجب المسلمين؟” مخاطبًا إياهم بـ: “فيا أيها المسلمون الصادقون، يا من جئتم من كل فَجّ عميق تعظّمون شعائر الله حول البيت العتيق.. إن المجاهدين الجزائريين، المسلمين الصادقين، الذين يبيعون أرواحهم وأرواح أهليهم وذويهم في سبيل الله، ولنصرة دينه، ولإنقاذ قُطْرٍ هو من صميم بلاد الإسلام، ينادونكم من ميادين الجهاد، وهم يواجهون الموت، ويخوضون لجة من الدم، بين خرائب الديار، وألسنة النار”.
وقد عرض القائمون على هذا الكتيّب واجب ضيوف الرحمن بعد أدائهم مناسك الحج وعودتهم إلى بلدانهم بمجموعة من الطرق والوسائل العملية، التي من شأنها إعانة الشعب الجزائري في ثورته وتصدّيه لأعتى قوّة استعمارية؛ من خلال الدعاء بالنصر والتمكين، والإعانة بالمال وإغاثة المنكوبين واللاجئين، الذين يتهدّدهم الجوع والموت في كل حين، وإنشاء لجان تضطلع بهذه المهمة العاجلة، والدعاية الواسعة لقضية الجزائر، والجدّ في إبراز هول المذابح الوحشية التي يقوم بها الجيش الفرنسي، مع مطالبة حكوماتهم وأحزابهم ومنظماتهم وجمعياتهم بأن يجعلوا قضية الجزائر قضية المسلمين جميعا، دون أن يغفلوا عن ضرورة مقاطعة فرنسا سياسيا واقتصاديا وثقافيا.
وفي ختام الكُتيّب ــ الذي سنسعى إلى دراسته وطباعته في شكل مستقلٍ ــ تمّ نشر مجموعة من الشهادات الحية لضباط وجنود فرنسيين ارتكبوا سلسلة من الجرائم البشعة في حق الشعب الجزائري الأعزل؛ وعلى رأسها الإعدامات الجماعية، ليس في حق الرجال والنساء فحسب، بل شملت حتى الأطفال، مع عمليات الاغتصاب.. اعتمادا على ما ورد في كتابين فرنسيين، وهما (ضد أعمال التعذيب) و(المجنّدون يشهدون)، وهذا من باب وشَهِدوا على أنفسهم.
خاتمة:
ويبقى التنقيب المُجِدّ والبحث المنظّم في نشاط مكاتب جبهة التحرير الوطني والبعثات الجزائرية؛ السياسية والدبلوماسية والإعلامية والشعبية والطلابية.. بالمشرق والمغرب العربيين إبّان ملحمة نوفمبر 1954 ضرورة مُلحّة يجب أن يشتغل عليها الأكاديميون والباحثون وأساتذة التاريخ المعاصر، ضمن بعثات علمية ومخابر جامعية للعثور على كل ما صدر في تلك الفترة من كتب ومطبوعات.. وما نُشر من استطلاعات ومقالات وأعمدة في اليوميات والأسبوعيات والمجلات، وما أذيع من حصص وبرامج ولقاءات على أمواج عديد الإذاعات العربية التي كانت فضاء مفتوحا للثورة الجزائرية، لتوظيفها في ميدان البحث التاريخي العلمي.

أضف تعليقك

جميع الحقول مطلوبة, ولن يتم نشر بريدك الإلكتروني. يرجى منكم الإلتزام بسياسة الموقع في التعليقات.

لقد تم ارسال تعليقكم للمراجعة, سيتم نشره بعد الموافقة!
التعليقات
0
معذرة! لا يوجد أي محتوى لعرضه!