“الجزائر بخير”
ترددت كثيرا قبل أن تنطق شفتاي “الجزائر بخير” حيث انتابني شعور غريب حول الحقوق الملكية الفكرية لأصحاب الجملة من رجالات السياسة وتجار الأزمة والمحبطين نفسيا…هل قولها تجني أم عبث أم تزلف لجهة ما؟
ربما أكون مخطئا في تقديري وتصوري، إلا أن محل الاطمئنان هذا على حال الجزائر صور تكررت مشاهدها يوميا ولمدة أسبوع كامل في معرض الكتاب الدولي الأخير.
ظاهره التسوق والتبضع في الكتب، وفي هذا المقام لا أتكلم عن دور النشر الجزائرية والمكتبات وتجار الكتب والمطبوعات الذين أبلوا البلاء الحسن في نقل كميات من كتبهم عبر وسائل تقليدية جدا “شاريطه”.
وكم ألمني أن تسقط عشرات الكتب أرضا أكثر من مرة دون حماية ولا وسائل نقل مناسبة، بل رأيت بأم عيني مصاحف تسقط ومجلدات تركل ومراهقين يحاولون لملمتهم كأنهم يحملون أكياس البطاطا والجزر…تساءلت في نفسي هل عجزت إدارة تنظيم المعرض على توفير وسائل نقل مناسبة ولو بأجر احتراما للكتاب على الأقل، وهي تعرف يقينا أن الكثير من المهتمين من خارج العاصمة ومن مكتبات ودور نشر وجامعات سوف يقتانون الآلاف من الكتب، فكيف سيتم حملها إلى “باركينغ السيارات” والله إنه العجب.
….لا أذهب بكم بعيدا حتى لا أنسى الصور الجميلة التي طبعت على قلبي من تلك الجموع من العائلات والشباب والأطفال وهم يقلبون يمنة ويسرة رفوف الكتب..أصدقكم القول أني شعرت بسعادة كبيرة وغبطة كأني أحسست بالاطمئنان.
وكنت كلما رأيت عائلة ما، حملقت فيما تحمل فأجد كتبا وقصصا من غير المقرر الدراسي التربوي. أليس جديرا بنا أن نفرح ونطمئن ونسعد بهؤلاء، كما نسعد برفقاء الجلد المنفوخ دوما .
هذه الصور ذكرتني بقصتين الأولى تعود لأحد القساوسة المسيحيين قبيله سقوط الأندلس، حيث كتب في أحد مذكراته أنه كان يسأل مخبريه وجواسيسه في مرحلة ما عن ماذا يجري في الشارع الأندلسي يومها فقالوا له: العلم والكتب والبحث فقال لهم : لن تستطيعوا دخول الأندلس الآن بل عليكم الانتظار لحين غفلة الجهل والضياع والظلام، فلا يهزم شعب يقرأ ويتعلم.
والقصة الثانية وهي لسوق الكتاب بشارع المتنبي بالعراق، فقد ذكر لي أحد الأصدقاء الصحفيين أن السوق لم تتوقف أبدا حتى والعراق محاصر..حتى والعراق محتل..حتى والعراق يعرف الشتات. فما أحوجنا في الجزائر إلى تنظيم سوق الكتاب على مدار السنة.
سوق نرتاده على مدار السنة كسوق الحراش وتاجنانات ولنأخذ الأسوة من غيرنا، فهذه أسواق دبي العالمية تضع مساحة شاسعة للكتاب فيما يعرف “بمول دبي” وقد رأيت بأم عيني كتبا صدرت قبل يومين بأمريكا، نسخ منها في سوق دبي.
ونفس الأمر في الأردن قرب مسجد الحسيني في العاصمة عمان، حيث تم تجميع الكثير من دور النشر والمكتبات والمطبعات هناك، كأنك في سوق حقيقية تتبضع فيها كيفما تشاء.
ولعل ما ميز هذه الطبعة من الصالون الدولي للكتاب هو توجه النخبة الجزائرية ومثقفيها من الأساتذه والصحفيين والأدباء إلى البيع بالإهداء، وهذه خصلة حميدة رغم نقص الإعلام وعدم الاهتمام بهم أكثر إلا ما ندر .
ولعل الشيء المثير في هذه الطبعة هو غياب شعار خاص بالمعرض، فالمتداول والمتعارف عليه أن جل المعارض الدولية يرفع لها شعار ما إما دعوة للقراءة أو انتصار لموقف ثقافي أو اجتماعي أو أدبي أو حتى اقتصادي أو سياسي. إلا أن القائمين على المعرض أقاموا سلة مهملات كبيرة جدا … فلا شعار المعرض كان موجودا ولا الندوات والمحاضرات عكست ذكرى الاستقلال بشكل جيد..خاصة ممن كتبوا وأرخوا للجزائر من كتاب غربيين وعرب أو جزائريين . ولو أني تمنيت وكنت آمل أن يتم تكريم أبي المؤرخين الأستاذ الدكتور أبو القاسم سعد الله والأستاذ الدكتور زهير احدادن وغيرهم كثير احتراما لجهودهم وكتاباتهم التاريخية حول الجزائر وماضيها ونضالها ضد المستدمر الفرنسي.
أمر آخر حيرني جدا وهو توجه بعض مؤسسات الدولة إلى إقامة صفقات لشراء الكتب من دور نشر عربية من خارج الجزائر بسعر يفوق 300 بالمائة “والله إنها حقيقة من مصدر رسمي”، في حين كان يمكن أن تضبط الصفقات هنا في معرض الكتاب الدولي كما هو متعارف عليه في كل دول العالم وبأسعار أقل بل جد مناسبة…لأن دور النشر نفسها التي عقدت معها الصفقات وبأسعار خيالية جدا….قال لي صديق مازحا: ألا تفهم أن في الموضوع إن ولعل وربما وأخواتها!