الجزائر: شخصيتها ..أبعادها ودورها
شخصية الجزائر: قبل الحديث عن الدور المنتظر لبلد ما لابد من تناول شخصيته بالتحليل وكذلك ابعاده الجيوسياسية التي تتحرك في مجالاتها الشخصية ..هكذا يصبح الحديث عن الدور كواجب ينبغي ان لا ينتقص ولا ان يضخم ..ومن هنا ننطلق للحديث عن شخصية الجزائر.
ما هو العصب الذي يحفظ للجزائر اتجاهها في عملية الضغط والشد التي تمارسها أبعادها، ويحفظ لها ذاتها من الارتكاس، وتوازنها من الارتجاج؟ ما الذي يجعلها وسيجعلها قادرة على الخروج من كل دوامة واجهتها وتواجهها.. ومن كل اعتراك دوار نتيجة اشتباك أبعادها أو تصادمها من حين لآخر؟.ثم كيف تؤدي الجزائر أدوارها التي ترشحها لها الجغرافيا والثقافة؟؟.
إن تأمل أبعاد ارتكاز الجزائر يكشف إلى أي مدى تبدو العملية ـ عملية الحفاظ على توازن الذات ـ محفوفة بالمخاطر، إذ أن لهذه الأبعاد من السحر الخاص والجاذبية والحضور ما يجعلها ذات أثر عميق في تكوين شخصية الجزائر ووظيفتها في الزمان والمكان المعينين . في البداية يجب أن يقودنا التأكيد إلى القول بأن الإشارة إلى عبقرية المكان هي محاولة لتجاوز التفصيلات المعيشة الآنية المؤسفة التي مهما بلغت درجتها من الحدة لن تستطيع تشويه ما أنجبته الجغرافيا لكي يتوحد مع ما أصبح في حركة مجرى التاريخ في هذا المكان.. إذن هي محاولة لإعادة الرشد.
بين خطي عرض 18و38 شمالاً وخطي طول 9 غرباً و 12شرقاً تقع الجزائر التي تبلغ مساحتها 2.38 مليون كلم مربع.. هذه الجغرافيا الممتدة من السلسلة الجبلية التلية والسلسلة الجبلية الأطلسية والأطلس الصحراوي وما بينهما من سهول ضيقة ومستطيلات إلى عمق الصحراء وما تمر عليه الطريق من سهول وهضاب وجبال.. هذه الجغرافيا المندفعة إلى عمق البحر في نتوء ضخم يجعل المسافة بين العاصمة الجزائر ومرسيليا 700 كلم يوحي بانتخاب هذا الموقع لكي يكون على رأس مسبحة أفريقيا التي لا يمكن لشمال المتوسط أن يفككها ما لم يقطع رأسها.. كما أنها القلعة المنيعة التي تقف أمام الغرب في اندفاعه نحو المشرق العربي والذي يكون سقوطها إيذانا بسقوط عواصم المشرق واحدة تلو الأخرى!
كما أنها موقع المقاومة الإفريقية المتقدم حيث ينشئ انثناؤه في البحر بهذه الكيفية الفرصة الخاصة بهذا المكان للتحكم بالبحر كما كان ذلك على مدار قرون سابقة، الأمر الذي جلب على أهل هذه الديار المؤامرات والحروب الطويلة،وهذا ما جعلها بحق ارض الجهاد، ومحل مطامع الأعداء، وتنافس القوى العالمية للسيطرة عليها.. هذا في حين يقابل تعمقها البحري تعمق آخر في الصحراء يوحي بدور من طبيعة جغرافيا المكان حيث تصبح المسؤولية على حماية العمق الإفريقي رئيسية كما توحي الجغرافيا بدور الحاضن والحامي للجوار العربي فتكون بذلك هي منعة المغرب العربي وقلعة صموده ومقاومته .. وبذلك تعطى أطراف الجغرافيا فضاء آخر لحيوية المكان وعبقريته ينتقل في ظله سلطان الشمال الساحر بموقعه إلى عتبات أواسط أفريقيا بحثاً عن مساحات للفاعلية الخاصة به فيحتضن عمقها الجنوبي طوقا إفريقيا من عدة أقوام أنشأت علاقات أبدية بينه وبين أهل الجزائر جاء الإسلام ليكرسها ويعطيها شكل علاقة الشيح بمريده.. ولقد لعبت الطرق الصوفية التي وجدت منطلق دعواتها من الجزائر في هذا الصدد دوراً سياسياً ليصبح هذا الطوق الإفريقي سياجاً واقياً.. أي يصبح ظهر الجزائر محمياً فيما تقف وجهاً لوجه أمام طرف المتوسط الشمالي. ومن البحر إلى حدود التداخل مع إفريقيا تنتشر السهول الكبرى متنوعة المناخ والوظائف تشكل بتكاملها اكتفاء غذائياً شاملاً بل وفائضا كان على مدار القرون أحد الأسلحة الإستراتيجية للمستعمرين والغزاة. وجاء البترول والغاز في قلب الصحراء لكي يستمر للمكان دوره التاريخي والطبيعي ولا يتخلف عن تميزه معطياً للصحراء وظيفة أخرى زيادة على صياغة الروح وتجليها الأمر المطلوب لكل نهضة رسالية حقيقية.. وهكذا تجدد عبقرية المكان الوسائل لملائمة التحديات المعاصرة.
من جبال القبائل إلى جبال الهڤار أي من الأوجه البيضاء الرطبة والخضرة الفسيحة المنتشرة بزيتونها وزيتها المنسكب في الجسم والروح فاعلية ونشاطاً إلى الرمال المسطحة والأفق البعيد والحجارة القاسية وكل ما تتركه للنظر والنفس من صلابة شكيمة وسعة صدر ونقاء سريرة.. من هناك إلى هنا تمتد فضاءات من التضاريس التي يركب على كل منها فاعلية مختلفة عن الأخرى مشكلة بمجموعها كياناً متعدد العناصر المناخية والبيئية، مما يعطي لهذا الموقع أيضاً فسحة من العمق الإنساني المتفتح على حيثيات الكائن الحي جميعاً مما يؤهله لأن يكون أحد المنارات الأساسية للرسالة. على شاطئ المتوسط وعلى طوله شرقاً وغرباً تتركز الكثافة السكانية الهائلة، فيما ظلت بعض القبائل العربية ضاربة في السهول الصحراوية والواحات المنقطعة التي تتناسب إلى حد بعيد مع نفسية العربي وتنسجم مع تراثه.. وهذا الدفع الجغرافي للسكان على الساحل له دلالة أخرى زائدة على تلك التي ترتبط بأسباب المعيشة، إنها وقوف على ساحل تواصلت حملات التهديد عليه مئات السنين كما أنه أيضاً واجهة التعامل مع الطرف الآخر من البحر المتوسط حيث العواصم الأساسية: الجزائر، وهران، قسنطينة، عنابة المدن الإستراتيجية، المدية، البليدة، تبسة، بجاية، معسكر، الداخلة في حوار متواصل مع الطرف الآخر سواء كان هذا الحوار صراعياً أو سلمياً.. مما جعل هذا الساحل أيضاً في كثير من الأحيان قاعدة انطلاق أو استقبال لكثير من موجات الجهاد والهجرة.. وهذا ما سيعطي هذا الساحل باستمرار أهميته بالنسبة لطرف المتوسط الشمالي.. فلن تكون بلا أهمية قصر المسافة بين شواطئ هذا الساحل والساحل الأوروبي.. هذه المسافة هي التي تحتاجها الطائرة أو الباخرة لتصل بين شاطئين مختلفي الحضارة، مختلفي القومية، جالبة من البضائع والعادات والارتباطات المادية أو العاطفية مما يحدث المناعة أو الاختراق.. وإنه ليصبح من العبث إغفال هذه الحقيقة التي تلدها جغرافيا هذا الساحل واحتياجاته وطموحاته أو آثاره على طموحات الآخرين واحتياجاتهم.
لقد أوجد الأبيض المتوسط عبر التاريخ بين القوى المحيطة به من مصالح مشتركة أو متضادة لم تترك فرصة لكي يكون هذا البحر فاصلاً للهدنة بل هو دوماً جسر للهيمنة والغزو وليس أكثر دلالة على ذلك من العشرين قرناً الأخيرة والتي شهدت إصراراً من قبل الطرف الشمالي للسيطرة على الطرف الجنوبي من البحر وإلحاقه تبعياً به.. كما أن الجنوب حاول مرات من الاندفاع للقضاء على مكمن الخطر في الشمال.. وهكذا يصبح المتوسط بحيرة تدافع وصراع بأكثر مما هو مدعو للهدنة والاستقرار.
إن السياسة هنا تشكلها الجغرافيا كأوضح ما يكون، أي أن التاريخ صناعة الجغرافيا وانتخابها لموقع ما، بدور ما، وليس مجد تصور أن لحظات الهدنة الظاهرة يمكن أن تدوم كثيراً أو أنها هدنة عميقة.. لأن ذلك يصطدم بالمصالح الحيوية لهذا الطرف أو ذاك.. إن الهدنة هنا هي بالضرورة مضرة بأحد الطرفين.. ولأن الساحل الجزائري ـ والذي يمكن أن يشمل ساحل تونس ـ هو الساحل الأكثر بروزاً لأكثر من دولة على الشاطئ الآخر والأكثر إثارة واحتكاكاً به، فإن انتصاره أو انكساره يظل حاسماً في نتائج الصراع على كل محيطه الحضاري “الوطن العربي والعالم الإسلامي” وهكذا تتضح أبعاد الجزائر الرئيسية: البعد الإفريقي وهو بعد ثقافي يتطلب من الجزائر حضوراً على مستوى الثقافة والرسالة محمياً بالجهاد أحياناً محققاً إلى إيجاد معبر لفضاء اقتصادي.. البعد الأوروبي: وهو بعد عسكري تكنولوجي يتطلب من الجزائر إعداداً متواصلاً يقظاً على الصعيد العسكري والتقني وهو يغطي جملة المصالح الاقتصادية والثقافية.. والبعد المتوسطي: وهو بعد اقتصادي يتطلب من الجزائر إدارة تجارة دولية على مستوى عالمي محمية بالقوة أحياناً وحاملة للثقافة كذلك.