الجلوس مع الكبار
كادت وجنتا كيري، وزير خارجية الولايات المتحدة الأمريكية، تنفجر من الشعور بالسعادة وهو يرحب بوجود وزير خارجية إيران في اجتماع الكبار في واشنطن.. جاء هذا إشارة إلى تعديل شروط اللعبة في الإقليم وأن صيغة جديدة تفرض نفسها على المنطقة بعد أن تكون الإدارة الأمريكية أيقنت أنه ليس بالإمكان الدخول في حروب جديدة من شأنها توجيه ضربات حادة إلى الاقتصاد الأمريكي وإلى المؤسسة العسكرية الأمريكية فكان لا بد من التراجع خطوات إلى الخلف تسمح لإيران بالتقدم بمبادرات وبخطاب يحمل إشارات للتوصل إلى تسويات في ملفات معقدة كالنووي والسوري..
..يجيء هذا ليرشح إيران لاحقا لامتلاك حق الفيتو على ما تراه مضادا لمصالحها الحيوية وللقضايا التي تحملها.. وكان هذا جليا وواضحا في خطاب الرئيس روحاني الذي كان بإجماع المراقبين والمحللين يحمل قدرا كبيرا من الإحساس بالمسؤولية والجدية والعملية واأن روح السياسة فيه كانت قادرة على تكسير كثير من الطابوهات الغربية واستطاع بلا شك أن يمثل حضورا فاعلا وأن يكون محل اهتمام كل المراقبين والسياسيين.
تولدت في المنطقة قراءات سريعة لهذا الخطاب الإيراني الجديد ولاستقباله من قبل الغربيين بالكيفية التي عبر عنها الرئيس الفرنسي ووزير الخارجية الأمريكي حيث أصبح ود الإيرانيين هدفا أوروبيا مشتركا.. في عمان وفي الرياض وفي دول الخليج اربتاك حقيقي وخيبة أمل لا تساويها إلا خيبة أمل الصهاينة حيث تجتمع رغبات هؤلاء وأولئك بأن تتورط إيران في التطرف اللفظي وتجلب عليها جحيم الغرب ويكون ذلك فرصة للتخلص من قوة إيران الاستراتيجية كما كانت رغبتهم قوية بان تقوم طائرات أمريكا وصواريخها بدك دمشق وطرد أو قتل حاكمها.
لقد أسقطت الأزمة السورية قوى وأطرافا ورفعت قوى وأطرافا.. أسقطت كل الذين اتخذوا مواقف منحازة مع المتمردين بالسلاح ومتوافقة مع الإدارات الغربية فأسقطت شيخ قطر وزعزعت أردوغان وطوردت حماس حتى راجعت موقفها فشملتها إيران وحزب الله من جديد بموقف إسناد أنقذها سياسيا في اللحظات الأخيرة. وهاهي الأزمة السورية تشد الحبل حول عنق بندر بن سلطان وقد تنعكس ردات الاهتزاز السياسي على استقرار السعودية في المرحلة القادمة.. كما رفعت قيمة دور حزب الله في لبنان والمنطقة ومنحت إيران حضورا حاسما في الإقليم وسمحت للروس بالعودة إلى السياسات الدولية كقطب دولي.
وهكذا أيضا كانت مبادرة إيران بإعادة صياغة الخطاب السياسي مسألة في غاية الأهمية فلم تغير إيران أيا من مبادئها في السياسة الدولية ولا في اتجاه الإقليم ولا من القضايا المركزية لكنها أدركت أن هناك عداوات مجانية لا قيمة لها تدفع ثمنها بلا فائدة كأن تتمسك برأي ما حول الهلوكوست أو حول الغموض في موضوع النووي أو شعارات كبيرة فضفاضة هي أقرب للأمنيات منها إلى الواقع تصلح محاضرة في جامعة ولا تصلح خطابا سياسيا.. فاستطاعت إعادة صياغة الخطاب الإيراني في ظل الظروف الجديدة في المنطقة أن تمثل مبادرة لكسر الحصار الظالم على إيران.
يجد الأوربيون في خطاب روحاني سلم النزول من على الشجرة والاستفادة من إمكانية تهدئة وتسوية تسمح لهم بترميم علاقات اقتصادية ولعب أدوار مسموح بها فيما هم يعانون من خلل استراتيجي في النظام الرأسمالي.
كل الذين وطؤوا للمستعمرين في بلادنا لن يمنحهم المستعمرون حتى نوط العمالة الذليلة وأما الذين ألجموا الاستعماريين وأروهم بأس الشعوب وعزة الأحرار فإن الغربيين سيرفعون لهم القبعات وسيحترمون الجلوس معهم.
إنه خط العزة الواعي والراشد لايلتقي بخط النذالة والعبودية والجهل وعلى المستضعفين في أمتنا أن يختاروا وليس من خيار، بل انحياز كامل إلى العزة والكرامة.