الحرب على إيران تعمّق أزمات إفريقيا وتضع اقتصاداتها أمام اختبار صعب
قال مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في تقدير موقف أعدّه محمود عبده سالم إن الحرب الأمريكية–الصهيونية على إيران لم تبقَ محصورة في نطاقها الإقليمي، بل تحوّلت إلى صدمة عالمية انعكست بوضوح على القارة الإفريقية، التي وجدت نفسها أمام موجة جديدة من الضغوط الاقتصادية، في وقت لا تزال فيه تتعافى من تداعيات جائحة كورونا والحرب الروسية–الأوكرانية، وهو ما ضاعف من هشاشة أوضاعها المالية والاجتماعية.
وأوضح المركز أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط شكّل العامل الأكثر تأثيراً على الاقتصادات الإفريقية، حيث انعكس مباشرة على تكاليف النقل والإنتاج، وأدى إلى زيادات متتالية في أسعار الوقود والكهرباء، ما دفع عدداً من الحكومات إلى اتخاذ إجراءات تقشفية شملت ترشيد استهلاك الطاقة ورفع الأسعار، وهو ما زاد من الأعباء على المواطنين وأثار مخاوف من تصاعد الاحتقان الاجتماعي في بعض الدول.
تضخم متسارع وأزمات معيشية
وأشار المركز إلى أن تداعيات الحرب لم تتوقف عند حدود الطاقة، بل امتدت إلى مختلف القطاعات، حيث أدى ارتفاع تكاليف النقل إلى زيادة أسعار السلع الأساسية، خاصة المواد الغذائية، ما ساهم في تسارع معدلات التضخم وتآكل القدرة الشرائية، لا سيما في الدول الإفريقية الأكثر اعتماداً على الاستيراد، وهو ما ينذر بتفاقم أزمات الأمن الغذائي واتساع رقعة الفقر.
اضطراب الأسواق وهروب الاستثمارات
وأضاف المركز أن الأسواق المالية الإفريقية شهدت حالة من الاضطراب نتيجة توجه المستثمرين الدوليين نحو الأصول الآمنة، مثل الذهب والدولار، وهو ما أدى إلى خروج رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة، وتراجع قيمة العملات المحلية، الأمر الذي زاد من كلفة الاستيراد وخدمة الديون الخارجية، وعمّق الاختلالات المالية في العديد من الدول.
تأثيرات ممتدة على النقل والسياحة
وأوضح المركز أن الحرب أثرت كذلك على قطاعي النقل والسياحة، حيث أدت التوترات في الممرات البحرية الاستراتيجية إلى تغيير مسارات الشحن وارتفاع تكاليفه، كما تضررت حركة الطيران والسياحة بشكل ملحوظ، مع انخفاض الحجوزات وتراجع العائدات، ما حرم العديد من الدول الإفريقية من مصادر دخل حيوية.
مواقف سياسية تحكمها المصالح
وأشار المركز إلى أن المواقف الإفريقية من الحرب اتسمت بالتباين، حيث تحددت وفق اعتبارات اقتصادية وسياسية، أبرزها العلاقات مع الولايات المتحدة ودول الخليج و”إسرائيل” وإيران، إضافة إلى الخبرات السابقة من الأزمات الدولية، موضحاً أن بعض الدول اختارت الانحياز أو إظهار الدعم لأحد الأطراف، بينما فضّلت أخرى التزام الحذر والدعوة إلى خفض التصعيد، في محاولة لتفادي الانخراط في صراع معقّد.
مخاطر أمنية وامتداد محتمل للصراع
وحذّر المركز من أن استمرار الحرب قد يؤدي إلى تداعيات أمنية داخل القارة الإفريقية، خاصة في المناطق المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، حيث يمكن أن تتأثر حركة الملاحة والتجارة، كما أشار إلى احتمال تصاعد التوترات الداخلية في بعض الدول نتيجة التفاعلات السياسية والمذهبية المرتبطة بالصراع، ما قد ينعكس سلباً على الاستقرار الإقليمي.
سيناريوهات مفتوحة بين التصعيد والتهدئة
وأوضح المركز أن مستقبل القارة الإفريقية يرتبط بشكل وثيق بمآلات الحرب، حيث إن استمرارها سيؤدي إلى تعميق الأزمات الاقتصادية وزيادة الضغوط على العملات المحلية والاستثمارات، وربما يدفع إلى موجة تضخم هي الأشد منذ عقود، في حين أن توقفها قد يخفف نسبياً من هذه الضغوط، خاصة مع تراجع أسعار النفط، دون أن يعني ذلك نهاية التحديات القائمة.
ترجيح سيناريو التهدئة الحذرة
ورجّح المركز سيناريو توقف الحرب مع بقاء النظام الإيراني، مشيراً إلى أن هذا الاحتمال يستند إلى جملة من المعطيات، منها غياب إستراتيجية واضحة لدى الولايات المتحدة، وعدم تحقيق الأهداف المعلنة للحرب، إلى جانب تصاعد المعارضة الدولية والداخلية لها، مع التأكيد على أن احتمال استمرار الصراع بدرجات متفاوتة يظل قائماً.
وأكد المركز في ختام تقديره أن الحرب كشفت مجدداً هشاشة البنية الاقتصادية في إفريقيا، واعتمادها الكبير على الخارج في مجالات الطاقة والغذاء والتمويل، ما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بالصدمات الدولية، مشدداً على أن تكرار الأزمات العالمية خلال السنوات الأخيرة زاد من تعقيد الوضع الاقتصادي في القارة.
دعوة إلى تقليل التبعية وبناء اقتصاد منتج
واختتم المركز بالتأكيد على ضرورة أن تتجه الدول الإفريقية نحو تبنّي نماذج تنموية أكثر استقلالية، تقوم على تعزيز الإنتاج المحلي، وتحقيق التكامل الإقليمي، وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية والأموال الساخنة، بما يمكّنها من مواجهة الأزمات الدولية بقدر أكبر من الصمود والاستقرار.