الحرف العربي يجمعنا
على الرغم من المبرّرات الضّعيفة التي يقدّمها أنصار كتابة اللغة الأمازيغية بالحرف اللاتيني، إلا أنّ هذا الخيار مستمر في الأوساط الرسمية على غرار المحافظة السامية للأمازيغية، وكذا لدى جزء كبير من النخبة التي ترى أن استخدام الحرف اللاتيني في كتابة هذه اللغة أصبح أمرا واقعا بحكم النّضالات التي قادها “المفرنسون” للوصول إلى الاعتراف بالأمازيغية ودسترتها واعتماد ينَّاير عطلة مدفوعة الأجر.
وفيما يكتفي أنصار الحرف العربي بالمطالبة باعتماده في كتابة الأمازيغية دون أدنى جهد أكاديمي، تطالب فئة ثالثة بالإبقاء على باب المبادرة مفتوحا؛ فمن شاء كتبها بالحرف العربي، ومن شاء كتبها بالحرف اللاتيني أو بالحرف الأصلي لها وهو التيفيناغ، وهذا الخيار يُعدُّ سابقة في تاريخ البشرية، لأنه لا وجود للغة تُكتب بثلاثة أحرف مختلفة اختلافا جذريا.
وبين هذه الآراء المتناقضة بين الاختصاصيين، الذين لم يتفقوا على خيار واحد، يبرز إلى السطح نقاش شعبوي على مواقع التواصل الاجتماعي يأخذ في كثير من الأحيان نمطا متطرفا يهوي إلى متاهات العنصرية والتفريق بين الجزائريين، ليتطور إلى تقاذف بالسّب والشتائم والإساءات في حق اللغة والدين والوطن.
لقد حاولت جريدة الشروق أن تخرج هذا النقاش من دائرة الشعبوية إلى دائرة النقاش الهادئ الذي يتعامل مع اللغة الأمازيغية كعامل جامع بين الجزائريين لا عامل تفرقة، وبعد عرض كل الآراء، اتضح أن الطرح القائل بكتابة هذه اللغة بالحرف العربي يقدِّم الحل الأمثل لتكون اللغة الأمازيغية جامعة بين الجزائريين، وأن الإصرار على كتابتها بالحرف اللاتيني سيؤدي إلى فصلها عن المجتمع ونبذها من قبل أغلب الجزائريين، نظرا لارتباط هذا الحرف بالخلفية الاستعمارية.
لكن المعضلة الحقيقية أنّ أنصار الحرف العربي توقفوا عند الشّعارات والمطالبات إذا استثنينا بعض المحاولات لكتابات أدبية ودينية بالحرف العربي وهو ما يفصل فيه الدّكتور أرزقي فراد، عكس أنصار كتابتها بالحرف اللاّتيني الذين اشتغلوا لعقود وقدموا الملموس الذي يجعل منها كتابتها بهذا الحرف أمرا واقعا!
ومن الغريب أن يهوّن بعض المختصين من خطر كتابتها بالحرف اللاتيني، بالإدعاء بأن الأمر “تقني بحت” ولا علاقة له بموضوع الهوية على أساس أن قضية الهوية لا تعني إلا الشعوب المتخلفة، وفي ذلك مغالطة كبيرة، لأنه لولا الحرص على الهوية لما أعطينا كل هذا الاهتمام للغة لا تزال بدائية وغير مكتوبة وغير مقعَّدة علميا!